ويتضمن المسند شيئا من التأويلات المتعسفة , ولعلهم يستدلون بحديث رووه في مسندهم مرفوعًا (( ما من كلمة إلا ولها وجهان فاحملوا الكلام على أحسن الوجوه(11) فمن تلك التأويلات المتكلفة قول أبي عبيدة - أحد شيوخ الربيع - عن معنى حديث (( من يحمل السلاح فليس منا ) ): يريد حمله إلى أرض العدو (12) .
وقد انعكست هذه المزال على الاباضية فتجدهم يحتجون بأخبار موضوعه , ويجهلون الأحاديث الصحيحة , ويمتطون التأويل المتعسف , فيحرفون الكلم عن مواضع , واذكر على ذلك مثالًا لأحد شيوخهم المعاصرين في عمان وهو سالم بن حمود السمائلي فتجده يحتج بحديث (( خذو شطر دينكم عن هذه الحميراء ) ) (13) وهو كذب مختلق كما بيّن ذلك ابن القيم رحمة الله في (( المنار المنيف ) ).
وانظر إلى جهله - أو تجاهله - بالأحاديث الصحيحة التي تخالف مذهبه وكيف بتأولها تأويلًا بعيدًا غير سائغ , فيقول السمائلي: (( وحديث من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وسرق - على فرض صحته - وإن زنى وإن سرق ثم تاب , فالزنى والسرقة لا يمنعان من دخول الجنة للتائب فإن التائب من الذنب كما لا ذنب له(14) .
أرأيت أخي القارئ ما يفعله الشيخ العلامة الجليل سالم - كما جاء على غلاف كتابه!! مع أن حديث من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق أخرجه الشيخان:
البخاري ومسلم (15) وانظر إلى كثافة فهمه وفساد كلامه.
ويتقنن الفقيه سالم في ذكر أنواع من التأويل الفاسد عند إيراد أحاديث مذهبه فمن ذلك قوله عن حديث (( يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من أيمان ) )أي لا يدخلها أبدًا (16) .
وقوله عن حديث: (( من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة , إذا مات غير مقترف لإثم دخل الجنة(17)
وليس التأويل الفاسد وقفًا على هذا الشيخ , بل نجد أن الكثير من الاباضية إذا أعيتهم النصوص وأشرقت عليهم بأنوارها , شهروا أمامها ذاك التأويل المظلم (18) .
ورحم الله ابن أبي العز الحنفي عندما يقول عن هذا التأويل: وهذا الذي أفسد علينا الدنيا والدين , وهكذا فعلت اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل , وحذرنا الله أن نفعل مثلهم , وأبى المبطلون إلا سلوك سبيلهم , وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله من جناية , فهل قتل عثمان رضى الله عنه إلا بالتأويل الفاسد! وكذا ما جرى في يوم الجمل , وصفين , ومقتل الحسين (رضى الله عنه) والحرة؟ وهل خرجت الخوارج واعتزلت المعتزلة. ورفضت الروافض وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إلا بالتأويل الفاسد؟ (شرح الطحاوية 1/ 9 - 2) .
وما دمنا نتحدث عن مصدر التلقي عندهم فأعلم - أخي القارئ - أن الاباضية تأثرًا بالمسلك الكلامي - لا يقبلون خبر الآحاد في أبواب الاعتقاد.
4 -هل الاباضية من الخوارج؟
والان أسرد لك - أخي القارئ القواسم المشتركة والأمور المتفق عليها بين الخوارج وبين الاباضية , وسيظهر لك تلقائيًا الجواب عن هذا السؤال / هل الاباضية من الخوارج أم لا؟؟
تجد - ابتداءً - أن عبد الله بن أباض يعتبر نفسه امتدادًا للمحكمة الأولى كما في الرسالة التي بعثها إلى عبد الملك بن مروان.
كما يظهر من خلال عقائد الاباضية التشابه الكبير بينهم وبين أسلافهم من الخوارج , فمثلًا في التوحيد نجد الاباضية تقول بخلق القران كما جاء في كتبهم قديمًا وحديثًا (19) , وقد وافقوا الخوارج في ذلك , يقول الأشعري: (( والخوارج جميعًا يقولون بخلق القران ) )مقالات الإسلاميين 1/ 203) , ويظهر من خلال كتبهم تعطيل الصفات مثل إنكار رؤية الله في اليوم الآخر , وتعطيل الصفات عمومًا (20) .
مثل الاستواء واليد وغيرها , والخوارج يغلب عليهم التعطيل في الصفات تأثرًا بالمعتزلة , يقول الأشعري (( فأما التوحيد فإن قول الخوارج في الصفات فيه كقول المعتزلة ) )مقالات الإسلاميين 1/ 203).
وأما مسألة الأسماء والأحكام فإن الاباضية تقول بتخليد العاصي في نار جهنم , وهي بذلك تتفق مع بقية الخوارج والمعتزلة في تخليد العصاة في جهنم لكن الاباضية تحكم عليه في الدنيا بأنه كافر كفر نعمة - أو كفر نفاق (21) .
(يُتْبَعُ)