فهرس الكتاب

الصفحة 24170 من 28557

أيضا, فحرية السلوك مكفولة, فلا يحق لك بحال أن تنكر على شارب الخمر أو الزاني بحليلة جاره, طالما كان الأمر لا يتعلق بشخصك, وإن اعترضت, فأنت الرجعي الداعي إلى دخول نفق القرون الوسطى المظلم!

هذا من حيث التنظير, وكفى بذلك مناقضة لأصل دين الإسلام, الذي هو عماده: الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله, والذي من أرسخ أصوله: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ..

فإذا قدر لك الاطلاع على بعض أدبيات القوم وأطروحاتهم, وجدت أنهم -شأنهم شأن أتباع كل مذهب باطل- طبقات, فتجد بعضهم مهتما بالإنكار على أهل التدين, وبعضهم شغله الشاغل قضية تطوير مناهج التعليم لإخراج ذلك الجيل الممسوخ المنقوص دينه الذي ينشدونه, وتجد أسفل منهم دركة من ينادي بتجديد الدين, يعني به التحررَ من مرجعية فهم سلف الأمة ومرجعيته, ومنهم من ينكر ارتباط التقدم والازدهار باتباع شرع الله, ثم أسفل دركة: من يطعن في بعض أحاديث الصحيحين, ثم من ينكر السنة بالجملة, ثم من ينكر النبوة وبعضهم ينكر وجود الخالق جل وعلا, والكل يدعي أنه ليبرالي!! والكل يلقي ما في جعبته على أسماع العامة باسم التقدمية والرقي الحضاري, ويتفنن في الانتصار لفكرته بشتى الوسائل, ومن المفترض أن يتم تقبل كلام الكل دون إظهار ولو نزر يسير من تلكم الشعيرة المباركة: (النهي عن المنكر) , إذ أن حرية التعبير مطلب حضاري ومعلم تنويري!

فهي مجموعة من المفاهيم المصادم أغلبها لقطعيات الاعتقاد والشريعة, تُعرض في صورة مزخرفة, وتصبغ بصورة شرعية أحيانا, يحاولون تمريرها بين القطاع العريض من أفراد الملة ..

ثانيا: مدى تأثير الليبرالية على العامة:

وهذا أيضا عامل مهم جدا, فكلما كان الفكر الباطل يحوي في طياته ويملك دعاته وسائل خداع العامة والتلبيس عليهم لتمريره, كلما كان خطره على الأمة أشد.

أما أثره على العقول, فيكمن في الأساس في نظري القاصر إلى عاملين:

أولهما: موافقته في كثير من جوانبه إلى هوى النفس التي لما تذق حلاوة الإيمان بعد, فحين ينادي ليبرالي بالتحرر, فسوف يصادف حتما قلوبا تود لو أنها لم تقيد بصلاة ولا صيام ولا زكاة ولا حج, ومع رفض القطاع الأكبر للمسلمين لهذه الدعوة, فإن صاحبها إذا ما أحسن التنظير لها, وحرًّف وأوَّل بعض النصوص من الكتاب والسنة للانتصار لهذا المفهوم, ثم أردف ذلك بعبارات الثناء على النبي صلى الله عليه وسلم والاستشهاد بموقف لعمربن الخطاب, فصاحب الهوى, الذي يكاد يحيط علما بكل فنون الدنيا إلا ما يتعلق بالعلوم الشرعية, لابد وأن يُشرب قلبه هذا الإفساد العقدي.

ثانيا: كونه موافقا لما يتظاهر به الغرب والتغريبيون من تلك المظاهر الجوفاء التي لا يستطيعون أن يلتزموا حقائقها في محك واحد!! مثل احترام الآخر-حرية الاعتقاد-احترام العقل-حقوق الإنسان-التجديد والتنوير-العولمة-ذم الجمود والظاهرية!

كل هذه الدعاوى قد أولع بها الكثير من عوام المسلمين, بل ويدعون إليها في قرارة أنفسهم! بعد أن أسلموا أزمة عقولهم إلى الإعلام التغريبي يزرع فيها ما شاء ..

ولذا, فإني أزعم أن أفكار الليبراليين والعلمانيين هي الأكثر انتشارا بين عوام المسلمين, فلو فرضنا أنك أخذت رجلا من الشارع متابع لبرامج الفضائيات, قارئ للصحف اليومية والأسبوعية, ثم فرضنا أنك استطعت أن تخرج من عقله رصيدَه من الباطل الذي يعتقد صحته, لوجدت أن الحظ الأوفر سيكون لأفكار الليبراليية والعلمانية, وستجده يفوق بكثير في أغلب الحالات ما يعتقد صحته من عقائد الأشاعرة أو المعتزلة مثلا ..

بل والأدهى, أن الوضع يفرض نزاعا بين الإسلاميين وبين من يخالفهم, فترى في الخندق المقابل تحت راية الليرالية كل من اللادينيين والملحدين, فتتسرب بعض أفكار أولئك إلى العقول مع ما يتسرب, فلا تعجب إن وجدت فئاما من الشباب يرون في تعدد الزوجات ظلما للمرأة, وفي حد السرقة وحشية, بل يصرح بعضهم أنه لا يملك يقينا راسخا بصدق نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم.

ثالثا: وسائل التأثير:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت