فهرس الكتاب

الصفحة 24171 من 28557

فانا أيضا أزعم أن أكثر المذاهب المُمَكَّنة من إيصال مفاهيمها للعامة هي الليبرالية, فإن كان للرافضة قنوات فضائية تدار فيها برامج حوارية, وإن كان للصوفية منتديات يكتب فيها بعض دعاتها, وإن كان لغيرهم من أهل البدع مواقع تعرض شبهاتهم, فإن الليبرالية هي عماد وسائل الإعلام, بحيث لو فرغت منه لسقطت على الفور على أم رأسها!

الصحف والبرامج الإعلامية والمسلسلات والأفلام ... هذه المصادر لا ينازع أحد في أنها الأيسر وصولا إلى العامة, وهي في قبضة الليبرالية أو من يستحسنها أو على الأقل يفضلها على الإسلام بمفهومه الشامل .. فلك أن تتخيل كم المفاهيم الفاسدة التي تلقى على مسامع الناس وهم في بيوتهم بل وعلى أسرة النوم .. هل ترى أيسر من ذلك وسط لتمرير هذا الإلحاد؟

فانظر إلى عدد البشر الذي يتلقى أفكار الليبرالية والعلمانية من مسلسل يعرض في شهر رمضان؟

وكم مشاهدا لبرنامج على قنوات الإفساد يستضيف مفكرا أو كاتبا يعرض فيه بضاعته؟

فيلم قبيح أو مسلسل خليع لا يعلم عنه أهل التدين ولا حتى اسمه, قد يتضمن من المصائب الفكرية التي تشربها قلوب المشاهدين أضعاف أضعاف ما قد يتضمنه كتاب لمبتدع, ومقال في إحدى الجرائد التي يحرص على شرائها ما يربو على نصف المجتمع, قد ينتصر فيه الكاتب لفكرة تناقض أصل دين الإسلام, يزخرف قوله بما أوتي من مهارات إعلامية, فيعتقد صحة مقالته الملايين في يوم واحد بلا مبالغة, وطلبة العلم جلهم لا يعلم من أين يحصل على نسخة من هذه المقال .. !

ثم قل لي:

كم عاميا يطالع كتابا في العقيدة للبوطي فضلا عن كتب سعيد فودة أو السقاف؟

وكم شابا أو فتاة يمكنهم أن يطالع كتب القاضي عبد الجبار أو أبي المعالي أو محمد بن عمر الرازي, لتتلطخ عقيدته بشبهات المتكلمين؟

لاشك أنهم موجودون, ولكني أعقد مقارنة لا يلزم من عقدها تفي جانب من أزمة الأمة للمبالغة في توصيف جانب آخر.

رابعا: أساليب أربابه:

وخطورته أيضا في نفاق الكثير من أربابه, فإنك وإن قارنته بالنتنصير مثلا, تجد أن المنصرين في أغلب الأحيان إما أن يدعوا إلى دينهم, أوأن يشككوا في دين الإسلام, أو يطعنون صراحة في النبي صلى الله عليه وسلم او في القرآن, في حين أن الليبرالي لا يجرؤ في الغالب على أن يصدع بمعتقده, بل يلجأ إلى استخدام نصوص الكتاب والسنة وفق فهمه المحرف لتمرير ما يروم إلى تمريره, يزيد هذا الاستخدام وينقص بحسب طبيعة الجمهور المخاطب, مع الحديث عن واقع المسلمين المتردي وتفوق الغرب المتحرر من القيود ..

وأحيانا يكون حديثهم منصبا على أخطاء بعض المنتسبين إلى الدعوة أو بعض فتاوى أهل العلم, التي تكون شاذة تارة وموافقة للدليل تارة أخرى لكن قد يستنكرها العامة - فيقفون بذلك على أرضية مشتركة في النقد بينهم وبين العامة, ثم يشرعون بعدها في تمرير مخططهم, وكثيرا ما يستخدمون هذه الفتاوى لتكون وقود حملة بل حملات متتابعة على أهل العلم والفضل, لا يكاد يمر شهر إلا وقد أجمعوا كيدهم ودبروا أمرهم بليل ثم أتوا صفا, يضربون أحد كبار علمائنا ورؤوس دعاتنا ضربة رجل واحد, فينجيه الله من كيدهم ..

وتارة يصدرون كلامهم بالثناء على كبار أئمة الدعوة عبر العصور, ثم يقررون أنه ما من أحد معصوم إلا الأنبياء, ثم يطعنون فيما هو من مفاخر دعوة هذا الإمام, ثم يختمون بالثناء عليه مرة أخرى!

أما أن يواجه الليبرالي ويناظر على أصوله ويظهر الطعن في دين الله, فهذا لا يسلكه أغلب دعاته في الفترة الحالية, ربما في مراحل لاحقة.

خامسا: واقع طلبة العلم ووزنهم في المحنة:

مع استصحاب ما ذكرتُ, من كون كل من العاملين لدين الله على ثغر, إلا أن الناظر في حال طلبة العلم والعاملين في حقل الدعوة, ليظهر له أن من له دراية بأصول هذا المذهب الهدام والمتابعين لتطور أحداث المعركة بين الليبراليين وبين كل ما هو إسلامي: هم قلة قليلة, فضلا عن من يتصدر للرد عليهم فضلا عن من يجيد ذلك.

ولك أن تسأل نفسك أيضا في نفس سياق المقارنة: كم طالب علم في الأمة الآن يتقن مسائل الخلاف مع الأشاعرة, من القول في كلام الله تعالى والقدر والصفات والإيمان وغيرها, ويحسن تقرير بطلان مذهبهم والانتصار لمذهب السلف بالدليل النقلي والعقلي في أبهى صورة وأحسن عرض, وكم طالب علم قد أحاط علما بفتنة خلق القرآن, ومَن صَبَر مع أحمد ومن أجاب, ومن ناظره, بل ويحفظ عبارات المعتصم أيام المحنة -وهو بلا أدنى ريب مما يرفع الهمم ويزيد الإيمان-, ولكن تجده لا يعلم شيئا عن حقيقة الصراع الآن مع تلك الفئة الباغية على أرض الشريعة, ولو قلت له: سم لي ليبراليا يعيش الآن حيا يرزق: لم يحر جوابا؟!

بالله عليكم أليس هذا مظهرا من مظاهر الخلل الذي يلزمنا المسارعة إلى سده؟!

ثم الوضع أظهر خطورة إذا ما أبصرت بعينيك هذا الكم الهائل من المقالات المدبجة في تصيد أخطاء العاملين لدين الله من أهل السنة, ثم الأدهى من ذلك, تلك المقالات التي تكاد تقطع أن صاحبها ما رقم منها حرفا إلا انتصارا لنفسه.

بعد هذا العرض الموجز, فإني أطالبك أخي القارئ الكريم بأن تجلس مع نفسك ولو لساعة من نهار, و أن تقلب هذه الجملة من الأسئلة في بالك, ولتخبرنا بما وصل إليه عقلك من أجوبة عنها:

هل أصابنا العمى إلى هذا الحد في عصر توفرت فيه وسائل الاطلاع على الواقع بصورة غير مسبوقة النظير, فلم نبصر هذا الخطر؟!

أم أن الشقة قد بعدت علينا, فآثرنا الركون إلى ردود السلف على المعتزلة والجهمية, ثم نسخها ولصقها أمام خَلَفهم, الذين هم في كثير من الأحيان ضعاف العلم, ضعاف السطوة, ضعاف التأثير على عوام المسلمين, بدلا من التصدي لمذهب لم يسبقنا أحد من سلفنا إلى نقضه تفصيلا, تتبناه جهات ذات سلطة وقوة وتأثير؟!

ما هو دورك في هذا الصراع؟

ما هي المهارات التي من الله عليك بها, تستطيع أن توظفها للانتصار للشريعة أمام أعدائها؟

ما هو مصير الأمة إذا ما أبينا الخروج من سباتنا والبروز لصد عادية الليبراليين؟

ما هو جوابك أمام الله إن سألك: ماذا قدمت لدين الله في هذه المحنة؟

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

منقول

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت