فهرس الكتاب

الصفحة 24375 من 28557

ومواصلة من الكاتب في طريقته التي بدأ بها مقاله ذكر عن مدرسة يحلو للبعض ومنهم الكاتب أن يسميها بالوهابية قوله: (ومن أكثر المدارس السلفية تشددًا وحراسة لتلك النصوص المدرسة الوهابية) . حيث رماها بالتشدد المذموم شرعًا وعقلًا دون ذكر الأدلة على كلامه، ثم وصفها بما هو في حقيقته مدح وليس ذمًا، وهو وصفها بحراسة نصوص الكتاب والسنة، ولكن الكاتب ظن أن هذا الوصف ذم لعدم قدسية النصوص في نفسه، فأفصح عما في مكنون نفسه من التقليل من شأن النصوص، وعدم اعتبار لقدسيتها وعصمتها. ثم قال عن السلفية بنفس النهج السابق: (سلفية تستند الى النصوص(القرآن والسنة) دون إعمال العقل في أمور مثل السياق الذي نزلت فيه (بالنسبة للقرآن) أو الظرف التاريخي أو اشكاليات النقل (عصر التدوين للسنة ) ) ، وكل ما ذكره مخالف للواقع حيث إن السلفية التي تعتمد الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح تعتني بأسباب النزول والظرف التاريخي الذي نزلت فيه النصوص، بل هذا أحد أسباب تقديم فهم السلف الصالح وهو معرفتهم بأسباب النزول والوقائع التي تعين على فهم نصوص الكتاب والسنة، والمعلوم أيضًا أن السلفيين من أكثر الناس حرصًا على معرفة الصحيح من الضعيف من النصوص واهتمامًا بإشكاليات النقل حيث تجد في علم الحديث ذكر ضبط الكتاب وضبط الصدر وذكر شروط ضبط الكتاب منعًا لإشكاليات النقل، وكل مصطلح الحديث قائم على أساس منع إشكاليات النقل.

ثم أصل الكاتب لمنهجه الفاسد الذي يقصر النصوص وأحكامها على مرحلة زمنية ماضية بقوله منتقدًا المنهج السلفي: (تعميم أحكامها لتصبح عابرة للزمان) ، والواقع أن أحكام الإسلام صالحة لكل زمان ومكان، وأنَّ النظر إلى الواقع يكون لمعرفة الظرف وما يتعلق به من شروط وموانع لتنزيل الحكم عليه، ولعلَّ الكاتب يؤمن بفرية التطور وأن كل نظرية سابقة لا تصلح لزماننا، وهي فرية عظيمة افتراها كثير من أهل النظريات من أهل الشرق والغرب حيث زعموا أن نظرياتهم حديثة مع علمهم بأنها كانت قبل الإسلام.

مثال تِلك النظريات النظرية الشيوعية التي طبقت قبل الإسلام وكانت تسمى بالمزدكية نسبة لرجل فارسي اسمه مزدك، ولد عام 487م، كان يؤمن بإلهي الشر والخير، ونصت نظريته التي ذكرها الإمام الطبري في تاريخ الأمم والملوك والإمام الشهرستاني في الملل والنحل على أن الناس ولدوا سواء فيجب أن يعيشوا سواء، وركز على حظي المال والنساء في قسمتهما بالتساوي ودون ضوابط أخلاقية، ولما طبق نظريته قباز إمبراطور الفرس فسدت الحياة الإجتماعية حتى أصبح الوالد لا يعرف ولده ولا الولد والده وفسدت الحياة الإقتصادية أيضًا كما ذكر ذلك الإمام الشهرستاني، وهذا ما حدث للشيوعية في العصر الحديث. وحتى الديمقراطية التي يؤمن بها الكاتب، والذي يبدو أنه يذم كل قديم، ويمدح كل حديث وجديد فإنها ليست بنظرية حديثة حيث عُلم أنها نظرية وجدت قبل الإسلام بل وقبل ميلاد المسيح عليه السلام، والمعلوم أنها كلمة لاتينية، وأنها طبقت في سابق الأزمان، ولكن ربما كان تطبيقها في نطاق ضيق، وأما اليوم فلوجود الإمبراطورية الأمريكية ومن خلفها الدول الغربية فقد أصبحت الأكثر تطبيقًا والأكثر شهرة.

ولأن الكاتب يظن أن كل قديم بالٍ ولا يصلح للحاضر بسبب سذاجته التي جعلته يصدق الإفتراءات الشرقية والغربية بحداثة نظرياتهم وطرق حياتهم استمر في طريقته السابقة في المجازفات قائلًا: (فالمنظِّر مبدع خلاّق يدرس الفكر الذي يرتبط بموضوعه ثم يخرج بأفكار أصيلة وغير مسبوقة، وهذا أمر يستحيل تحققه في إطار المدرسة السلفية النصوصية التي تستند إلى الإجترار والحفظ والترديد وتعادي كل جديد وتخاصم كل مبتكر بإعتباره بدعة وتعتقل الحاضر والمستقبل في سجن الماضي) ، من أين له بهذا التعريف للفكر الذي يقصره على الإبتكار والخروج بأفكار غير مسبوقة؟ وإذا كان يقصد الابتكارات المادية فأين في المدرسة السلفية من يقول بأن الطائرات والمركبات الحديثة والآلات الحديثة مثل أجهزة الكمبيوتر وغيرها بدعة لا يجوز استخدامها؟ أم ماذا يقصد الكاتب من طعنه الغير ممنهج في المنهج السلفي؟ فالكاتب عودنا على طريقته في الاستعداء النفسي وليس الفكري للمنهج السلفي، ومثل هذا الكلام لا يؤثر ولا ينبغي أن يؤثر إلا فيمن نصَّب من نفسه عدوًا للمنهج السلفي، وأما أصحاب الفكر

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت