فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الحر الذي يدرس الأفكار بحيادية وطلب للحق فلا ينبغي أن يؤثر فيهم هذا الصياح وهذه الضوضاء.
ثم أفصح الكاتب عما في مكنون نفسه من نفسية إنهزامية تجاه الحضارة الغربية التي لم تهتد في كثير من شؤونها بهدي الخالق سبحانه وتعالى وذلك بقوله عن الولايات المتحدة: (النظام الذي يرعى كرامة الإنسان ويؤكد إحترام القانون وإستقلال القضاء والتداول السلمي للسلطة) ، فأين كرامة الإنسان عندما تقصف الولايات المتحدة شعوبًا مغلوبة على أمرها بقنابل محرمة دوليًا مثل الفسفورية وغيرها؟ وأين مراعاتها لحقوق الإنسان عندما تقصف هيروشيما بالنووي، ثم تلوح به قبل أيام قليلة فقط ضد إيران في العقيدة النووية الجديدة التي أعلنها أوباما، والتي لا تختلف كثيرًا عن سابقاتها؟ ولماذا إن كانت صادقة في الوصول إلى عالم خالٍ من النووي، وأنها لا تريد استخدامه، لا تبدأ من نفسها بإزالته؟ وما يقول الكاتب في معتقلات جوانتانامو الشهيرة وفضيحة أبي غريب وغيرها الكثير من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان وكرامته؟. وأين الديمقراطية التي تتشدق بها أمريكا عندما يكون القرار السياسي في الأمم المتحدة بحق الدول الدائمة العضوية بالرفض لقرار الأغلبية.
وأما ما في الولايات المتحدِّة من منافع وخير وتحقيق مصالح فهو إما من الإسلام وإما أن يكون من قبيل المنافع وطرق الإدارة والتنظيم التي أباحها الله عز وجل للناس لتنظيم شؤونهم. فقد صرَّح بعض المفكرين الغربيين بأنهم استفادوا في أنظمتهم من النصرانية والإسلام، وفي الواقع هم قد استفادوا من الإسلام فقط لأن الدين الذي جاء به عيسى عليه السلام هو الإسلام، وما عندهم من تعاليم صحيحة منقولة في كتابهم المقدس هي في حقيقتها من عند الله عز وجل.
ومثل ما قيل في الأنظمة الغربية يقال فيما ذكره الكاتب من ازدهار حدث في عهود بعض الحكام المبتدعة، فإن الازدهار المادي أكثره من قبيل المنافع التي أحلها الله عز وجل، فمن أين للكاتب أن يبرهن أنَّ عدم الازدهار سببه المنهج السلفي؟ فقد عودنا الكاتب على إطلاق العبارات والتهجم الغير مبيَّن وغير مفسر لا بأدلة عقلية ولا نقلية، فهل في المنهج السلفي تحريم مثلًا لمادة السيليكون التي تستخرج من التراب ويستفاد منها في صنع الشرائح الإلكترونية بما فيها المعالجات وأجهزة التحكم؟ بل الواقع أن العلماء السلفيين نصوا على أن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص بالتحريم، والأشياء تشمل الأعيان والعادات والمعاملات، والسلفيون إنما استفادوا هذه القاعدة من نصوص الوحي التي يقلِّل الكاتب من شأنها، وذلك في مثل قوله تعالى: {هُوَ الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا} واللام هنا للإباحة، فدلت الآية على أنَّ الأصل في الأعيان الإباحة.
فإنَّ كثيرًا من أهل الحضارات كانوا على ضلال كمثل فرعون وفارس والروم والغرب اليوم، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عن فيثاغورس وأرسطو وأفلاطون أنهم ضلَّال، لأنهم كانوا ملاحدة، والمعلوم أن هؤلاء لهم إسهامات في الفيزياء والرياضيات، ولذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عن الفلاسفة اليونان عمومًا ومنهم المذكورون سابقًا أنهم أحسنوا من جهة عمارة الأرض، ومن جهة إسهاماتهم في علم الهيئة (الفلك) والحساب (الرياضيات) والطبيعة (الفيزياء) والهندسة. وابن تيمية رحمه الله تعالى هو من أعلام الدعوة السلفية، وذكر هذا في المنطق من مجموع الفتاوى، وهو المجلد التاسع. وقد ذكر الله عن أمم قبل أمة البعثة المحمدية وأخبر عنهم بأنهم أثاروا الأرض وعمروها، ومنهم من كانوا يبنون من الجبال بيوتًا فارهين وهم ثمود قوم صالح، وغيرهم ممن كانت لهم حضارات وازدهار، ومع ذلك كانوا على ضلال. والشاهد هو في قول ابن تيمية عن الملاحدة أنهم أحسنوا في عمارة الأرض، وفي الإسهام في المعارف البشرية، فهل هذا قول من يمنع التطور والإزدهار؟ فإنَّ قائل هذا هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أبرز أعلام الدعوة السلفية في القرون المتأخرة.
أبو أنس عمر عبد اللطيف محمد نور
الثلاثاء 28 ربيع الثاني 1431هـ الموافق 13 أبريل 2010م
هلسنكي جمهورية فنلندة
* جريدة الرأي العام العدد 42300 تاريخ السبت الموافق 10 أبريل 2010م