فهرس الكتاب

الصفحة 24869 من 28557

فهل وصفه بالخالق يتعلق بمشيئته؟ هنا يظهر أنه لا تعلق له بالمشيئة، إذ الصفة معناها (القادر على الخلق وقتما يشاء كيفما يشاء) . أما آحاد أحداث الخلق فمرتبطة بحدوث المشيئة لكل حدث منها. فلما أراد سبحانه أن يخلق السماوات والأرض، استوى سبحانه وتعالى لذلك الخلق وأحدثه كما أراد.

فهل صفة الحب والبغض ونحوهما صفات ذاتية أم فعلية؟ على المعنى المتقدم فإن الله موصوفة ذاته بحب من حقه أن يحب وببغض من حقه أن يبغض، وهذه صفة ذات وكمال لازمة له أزلا وأبدا، ولكن آحاد أفعال الحب والبغض لم تحدث منه سبحانه إلا لما خلق سبحانه وتعالى خلقا يُحب ويُبغض! فلا يقال إن الحب والبغض - من حيث أصل معنى الصفتين - متعلق بالمشيئة، لو شاء أحب ولو شاء أبغض! فإن تخلف البغض عمن حقه أن يُبغض = هذا نقص وليس كمالا! وكذا تخلف المحبة عمن حقه أن يُحب = هذا نقص! والله تعالى كان ولا يزال منزها عن كل نقص. ومثل هذا يقال في الغضب والسخط والضحك وغير ذلك من أفعال يرتبط حدوثها من الذات بحدوث موجبها في الخارج.

ولهذا فإننا ننكر على النصارى زعمهم بأن الله أحب العصاة والمجرمين والكافرين وسائر البشر على نحو ما يدعون، إذ لازم هذا المعنى نقص في ذاته لا يخفى، إذ كيف يحب من حقه أن يبغَض؟! وكذلك غلوهم في الجهة المقابلة إذ قالوا إن وجود الثالوث قديم ولابد حتى يجد الله من يحبه وإلا فإن لم يجد من يحبه فإنه يكون في حال نقص إذا لا يوصف بصفة (المحبة) ! فهذا معنى باطل، إذ النقص يكون لو أوجد الله من يستحق أن يُحب ولم يحبه سبحانه وتعالى، أما ألا يوجد في الوجود غير الرب وحده، ثم يقال إن هذا لازمه تعطل صفة المحبة - هكذا - في ذاته فهذا لازم باطل ظاهر البطلان!

ولعل سبب هذا الخلط عند النصارى والفلاسفة من سائر الملل أننا معاشر البشر لا يمكننا تصور حال لا يكون في الوجود فيها إلا ذات واحدة وما سواها عدم! هذه الذات لا قياس لها على الملخوقين، لا في تلك الحال ولا في غيرها، وانقطاع وقوع الحوادث الموجبة لظهور أثر صفة من الصفات في تلك الذات (أي حدوث أفعال من تلك الذات) في حال من الأحوال لا يعني تخلف تلك الصفة عن تلك الذات في تلك الحال، وهذا المعنى نفهمه ونثبته في ذوات المخلوقين، فكيف بذات لا كالذوات المخلوقة، لا في أزليتها ولا في وجودها القديم منفردة قبل الخلق الأول وما سواها عدم وعماء، ولا في شيء من حقيقتها أصلا!

فالآن بالنظر في قولك وفقك الله:

من المعتاد لدى دارسي العقيدة تقسيم صفات الله تعالى إلى (الذاتية) وإلى (الفعلية) . فالأول قدم وجوده بوجود الله تعالى، والثاني ما يتعلق بمشيئته سبحانه فأعيانها حادثة وإن كان نوعها قد يكون قديمة مستمرة. فحقيقة الإشكال السابق هي: من أي قسم صفة (المشيئة) هذه؟ لا نستطيع أن نقول إنها من القسم الأول لكون أعيان المشيئة تستحيل أن تكون غير حادثة. فإن كان من القسم الثاني، فلا أفهم وجه العلية بين مشيئة ومشيئة.فإن صفة المشيئة على معنيين: آحاد المشيئات كأفعال (من حيث المعنى) ، ووصف الذات اللازم من حدوث تلك الآحاد.

فالأول وصف حادث: شاء الله أن يفعل كذا ففعله، فهي مشيئة حادثة من هذا الوجه. أما الثاني فوصف لازم للذات، أن تكون مريدة لها مشيئة حرة تنشأ عنها أفعالها، وهذه ضرورة عقلية وشرعية في حق الله تعالى أن تكون تلك الصفة أزلية في حقه، وإلا ما وجدت آحاد المشيئات على أثرها وما كانت ذات الله ذاتا فاعلة قادرة أصلا!

فقولك هذا بالعلية بين مشيئة ومشيئة يلزم منه قصر معنى المشيئة - بإطلاق - على أنها آحاد حادثة وفقط، وليس بذاك!

أما حدث المشيئة الذي يحدث قبل إحداث الفعل = هل هو معلول بمشيئة قبله، بمعنى مشيئة المشيئة، فهذا تسلسل فاسد لا نقول به ولا نجد ما يحملنا عليه في التفريق الذي تقدم تحريره في معنى المشيئة .. فإن ذات الله تعالى ذات قديمة لا ابتداء لها ولا تعليل لها، فهي العلة الأولى، وهذا المعنى بضرورة العقل ينهي تسلسل العلل والأسباب بنهاية تخرج عن حيز التصور والقياس العقلي نفسه! فلا نقول هل سبقت مشيئته مشيئة؟ هذا يفضي إلى تسلسل لا موجب له ولا نملك الفصل فيه لأنه من خصائص تلك الذات الأزلية التي لا ابتداء لها!

ولا يقال إن الاكتفاء بجعل الذات هي العلة الأولى يفضي إلى تأخير المعلول عن علته التامة بمدةـ فإن أزلية ذات الله جل وعلا تخرج عن تصور العقل لمفهوم المدة أصلا، فلا نطالب عقولنا بالنظر فيما وراء المشيئة عند الله تعالى هل مشيئة متقدمة عليها أم غير ذلك، فهذا مما لا تطيقه عقولنا!

فالحاصل أننا لا ندخل إرادة الله في تسلسل للعلل لأنه لا موجب لهذا التسلسل بالأساس في ذات أزلية لا يتصور العقل تعليلا وراء إرادتها الأولى فضلا عن وجودها نفسه، والله أعلى وأعلم.

ـ [أسامة] ــــــــ [06 - May-2010, مساء 05:56] ـ

يا أبا الفداء، لا فض الله فاك يا شيخ ... وفقك الله وسددك.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت