فهرس الكتاب

الصفحة 2488 من 28557

رفاعة الطهطاوي ــ وهو فَرَطُ القوم على حياض الغرب الكدرة النجسة ــ في كتابيه (المرشد الأمين للبنات والبنين) و (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) امتدح المجتمع الغربي .. أسلوب حياته وثقافته، وحاول أن يحصر الأمر فقط في اختلاف المسميات.

وأثنى على الدستور الفرنسي الشرطة، ووصفها بأنها عدلًا وإنصافا ًأدى إلى تعمير الممالك وراحة العباد وارتياح القلوب حتى أنه ما عاد يسمع عندهم من يشكو ظلمًا أبدا.!!

وأحسب أن موسيقى حفلات الرقص التي أطال في وصفها، ونساء باريس الآتي يرقصن مع الرجال، صمَّت أذن (الشيخ) وألهته عن البحث في ضواحي باريس وقرى فرنسا عن إخوان (المورسكيين) وغيرهم ممن يثير الأرض ويسقي الحرث طلبا للرزق.

ثم جاء جمال الدين الأسد أبادي المشهور بالأفغاني والذي نفي إلى مصر لفكره الاعتزالي وأرائه الغريبة، وادعى أن الأمة هي مصدر الحكم، وأن الاشتراكية من الإسلام. ونادى بوحدة الأديان، والسلام العالمي؛ ومن أراد أن يستيقن أو يستزيد فليقرأ خاطرات جمال الدين الأفغاني اختيار عبد العزيز سيد الأهل ص: 14 والاتجاهات الفكرية والسياسية والاجتماعية علي الحوافظة:102، 181،182

ثم جاء محمد عبده ــ ولا حظ التطور في الطرح ــ وتحت مسمى (الإصلاح) أباح التشبه بالخواجات في الفتوى الترنسفالية، وأباح الربا في شكل صناديق التوفير، وحرَّم تعدد الزوجات، وكان ظهيرًا لقاسم أمين في كتابه"تحرير المرأة"وكان من (أعظم من تجرأ على مفهوم الولاء والبراء ودار الحرب ودار الإسلام من المنتسبين للعلماء بتعاونه مع الحكومة الإنجليزية الكافرة ودعوته إلى التعامل مع الإنجليز وغيرهم بحجة أن التعامل مع الكافر ليس محرمًا من كل وجه) [العلمانية: 578] .

وقد لخص العقاد ما أريد قوله عن محمد عبده في سطرين يقول في [أعلام العرب: 176] : (وجملةً يمكن أن يقال أن ما من عملٍ من أعمال الخدمة الاجتماعية تم بعد وفاته إلا كان من مشروعاته التي هيأ لها الأذهان ومهد لها الطريق وبدأ فعلًا بالاستعداد لتنفيذها ومنها الجامعة المصرية التي كان يعني بها أن تقوم بتعليم العلوم وفقًا للمناهج الحديثة وتسهم في تجديد الحضارة العربية القديمة)

وتدبر: التعامل مع الكفار (قبول الآخر) ، التشبه بهم، إباحة الربا، تحرير المرأة، تحريم تعدد الزوجات، أليست هي ذات المطالب التي ينادي بها الليبراليون اليوم؟

ــ لم يتجه محمد عبده ومن معه في نقده للمؤسسة الدينية الرسمية (الأزهر) إلى من يخالفونه فيها، لم يجلس معهم يخاطبهم بما عنده، يعرض عليهم أطروحاته ويستمع لردودهم، وقد كان الإخلاص يقتضي ذلك، بل إن نصوص الشريعة تأمر بذلك ففي الحديث (الدين النصيحة ... الحديث) ، ولكنه اتجه للجماهير، وأخذ يقلبها على المؤسسة الدينية الرسمية، بل وينفرها منها، بدعوى أنهم غير متفتحين، لا يفقهون الواقع، فتاويهم تصلح لخمسة قرون ماضية، أما هذا اليوم فيحتاج لمفتي أوعى وأدرى بحال الناس، وأخذ يرميهم بما ينفر الناس منهم. وكان متدنيا في كلماته يصف الأزهر بأنه (المخروب) و (الأستبل) في إشارة واضحة إلى أن ما فيه من علماء حيوانات لا يفقهون شيئا، يتكلم بهذا ثم هو إمام ومجدد عند بعضهم!!، وطبيعي أن يجد من يسمع له ويتحمس لفكرته.

ــ ومن أهم ما حدث أن هذا التيار الجديد أخذ يُربي مجموعة من النابهين الطامحين المتحمسين على أفكاره، ولك أن تقرأ سير كل الشخصيات التي برزت بعد ذلك في جميع المجالات حتى السياسية لتجد أنها تأثرت مباشرة بالخطاب المنبعث من المؤسسة الدينية في شخص محمد عبده يومها، قاسم أمين، أحمد لطفي السيد، سعد زغلول، والذين جاءوا من بعدهم كابن العقاد وغيره. وكانت تربية هؤلاء الكوادر تعتمد على أسلوب الانتقاء والمتابعة. وسيأتي مزيد بيان لهذه النقطة إن شاء الله وقدر

ــ فالصورة التي انتهى إليها هؤلاء (الإصلاحيون) أنهم استدبروا المؤسسة الدينية، وأخذوا يتكلمون للناس ويربون، وأوجدوا واقعا جديدا بعيدا عن الواقع القديم، وفرضوه على الواقع القديم. ثم حدث الاستبدال بعامل الوقت، وبعصا السلطان.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت