إنما المسلمون إخوة مهما تعددت الرايات، ومهما اختلفت الواجهات، وإن الأزمات التي تمر بها الأمة أكبر من التنابذ والتشاكس، والاتهامات التي لا غرض من ورائها إلا إثارة الفتن والعداوة والبغضاء وتعميق الخلاف.
إن العمل الإسلامي ساحة واسعة، تستوعب ضمن حدودها كل مخلص، لديه من صفاء البصيرة ما يمكنه من العمل دون
أن يرى كل عامل معه خصما له، ودون أن تحمله الأنانية ووسوسة الشيطان على الانشغال بمعارك جانبية سخيفة مع إخوانه عن عدو يتهدد الساحة كلها بما فيها.
أعجب لامرىء مسلم ملتزم بالإسلام، لا يفهم من الأخوة في الله إلا أن يكون الطرف الآخر عضوا في جماعته وحركته
فإن لم يكن كذلك انقلب عدوا لدودا له، ولو جاء الآخر بالمعجزات ليدلل له على حبه له في الله وثقته به وطمعه في أخوته!
لا بأس من اختلاف أطر العمل الإسلامي، ولا بأس أن يختلف تصورنا عن وسائل العمل ما دام العمل لله.
ولا بأس أن تتفرق بنا الطرق ما دام هدفنا واحدا، لا بأس أن يستقل كل منا بأسلوبه في الدعوة إلى الله، لا بأس، ولكن البأس كل البأس، والمصيبة كل المصيبة في اقتتال الإخوة، واختلافهم الشديد
فهذه دعوة يرفعها إبليس ليزرع بين الذين قل إيمانهم وساءت أخلاقهم العداوة والبغضاء ليصدهم عن سبيل الله، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا!
أقول:
الاختلاف كائن ويكون إلى يوم القيامة.
ودوائه ما اخبر به النبي صلى الله علي وسلم {فعليكم بسنتي } .
أما:** إنما المسلمون إخوة مهما تعددت الرايات، ومهما اختلفت الواجهات، وإن الأزمات التي تمر بها الأمة أكبر من التنابذ والتشاكس**
فهذا خطأ لوجوه:
01: قوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله تعالى ولا تفرقوا} ، فقد أمرنا الله بالاعتصام بحبل الله مع عدم الفرقة، ولم يقل سبحانه: اعتصموا ولا تتفرقوا مهما تعددت الرايات، ومهما اختلفت الواجهات.
والصحيح:
أن من أعظم أسباب ضعف الأمة وهوانها وذهاب ريحها وضعف شوكتها: الإختلاف.
فكما أن الإجتماع قوة، فكذلك الفرقة ضعف، ولهذا نهانا الله عز وجل عن التنازع والإختلاف، قال تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} . التوبة.
ومرجع الخلاف كله هو ترك إتباع الدليل والتعصب لأقوال وآراء الرجال بالجهل.
فلوحدة الصف واجتماع الكلمة لابد من القضاء على الخلاف، وهذا لا يكون إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، لأن دواء الفرقة والإختلاف هو اتباع السنة كما أخبرنا بذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى ءاله وسلم في حديث العرباض ابن سارية الطويل: { ... فإته من يعش منكم بعدي فسيرى إختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ... } .
قال الحافظ ابن رجب:
ولهذا لابد من التكلم عن التوحيد والسنة وأهميتهما، والشرك والبدعة وخطرهما حتى يرجع الناس إلى ذلك المورد العذب الزلال (وهو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى ءاله وسلم وأصحابه رضي الله عنهم) ، وأول شيء علينا أن نبدأ به هو تصحيح عقائد الناس، لأن قبول وحبوط الأعمال متوقف عليه، قال تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) 75 آل عمران، وقال سبحانه: (ولقد أوحي إليك وإلى اللذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكنّن من الخاسرين) 65 الزمر.*
فإذا كان الله خلقنا لعبادته، وأنزل كتبه وأرسل رسله لدعوة الناس إلى توحيده، وجعل دخول الجنة والنار متوقف على ذلك.
فلماذا يدعوا المسلمون اليوم إلى الأحزاب السياسية، أو الطوائف البدعية، وينسون أو يتناسّون أن الحكمة من خلقهم وإرسال الرسل إليهم، هو الدعوة إلى عبادته وحده سبحانه.
(يُتْبَعُ)