لقد عجز الألمعي عن مقارعة الدليل بالدليل، واتجه إلى وصف تعظيم القبور بهذه الصورة النرجسية، فقال هذا، وصوّر الضريح بأنه ذلك المكان (الطاهر) الذي تعلوه (السكينة) ويزوره (عظماء الرجال بمختلف مستوياتهم التعليمية!) ويتوافد إليه (تلك النسوة الجميلات اللاتي يعانين من مشاكل) ثم ذكر (عجائب هذه الأجواء الروحانية الحانية) على حدِّ تعبيره!
وزعم أن تعظيم القبور في (سفح تهامة) دين عاش عليه أهل تلك الجهات 14 قرن!
فأي تزييف هذا التزييف في تزويق باطل عظيم، وشرٍّ وخيم؟
وما هذا إلا من تزيين الباطل، وزخرف القول، في تزيين الباطل، والعياذ بالله.
بل وبالضد من ذلك تشويه صورة الحق حيث قال في تصوير أهله: بأن حياتهم كانت على منهج (رتيب جاؤوا يحملونه خاليا من الروح الشَّعبية) !
وأنهم (يحملونَ ثقافةً جرداء مُسطَّحة الفكر لا تملك التوغُّلَ في الفكر ولا اتِّساع التَّمذْهب بسبب نوع البيئة التي جاؤوا منها) ؟
وهذا من سنن أهل الضلال، ومن أساليب أهل المكر والخديعة في صرف الناس عن الحق، بتزيين الباطل، والثناء على أهله، وتشويه الحق، وذمِّ أهله!.
الوقفة الثانية: وقع الألمعي في زلة وخيمة نادى بها على نفسه بكبريات الموبقات! فأثنى صراحة على دين المشركين، وذم دين النبي صلى الله عليه وسلم ووصفه بأقبح وصف، فمن صريح القرآن الكريم في ذم المشركين أنهم كانوا يعظمون معبوداتهم ليقربونهم إلى الله زلفى! كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) (الزمر: 3) .
وهذا في سياق الذم وكشف حقيقة كذب أولئك وكفرهم.
ومع ذلك فقد ذكر الألمعي هذا في موطن الثناء والمدح والحزن على ذلك التاريخ الذي يزعم شرفه، والحنين إليه فقال: (فهو سليلُ قومٍ منذ أكثر من 14 قرنا ونصف القرن، كانوا يصرون على الوصول إلى الله عن طريق من يقرِّبُهم إليه زُلفى، وطقوسهم التعبيرية الاجتماعية هذه لم تكنْ سوى أسلوب لمحاولةالوصول إلى ما يجهلونه من طرائق السعادة والنجاة من المجهول) .
وقال متهكمًا بإنكار أهل الدين لتعظيم القبور ودعاء أهلها من دون الله: (ألمْ يُعِدُّه(مديِّنتُه) للقضاء على كل وسيلة مما يُقرِّبه إلى الله زلفى).
ثم وصف من ينكر هذه الدعوى بأبشع وصف فقال بعد ذلك: (مُدَيِّنتهم -أي أهل الدين الذين أنكروا هذا الأمر- الذين جاؤوا لم يكونوا طقوسيِّين، فهمْ يحملونَ ثقافةً جرداء مُسطَّحة الفكر لا تملكالتوغُّلَ في الفكر ولا اتِّساع التَّمذْهب بسبب نوع البيئة التي جاؤوا منها) .
وقال في ذم الدين الذي يحارب هذا النوع من الشرك بأن أهل الحق -الذين سماهم متدينة- يرونه دينًا: (إصلاحيًا سلفيًا وحيدًا للكون والحياة) .
والذي قال هذا -يا ألمعي- ليسوا هم المتدينة، وإنما الذي قاله هو الله تعالى حيث يقول: (إنَّ الدِّينَ عندَ اللهِ الإسْلام) (آل عمران: 19) ، وقال: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيرَ الإسْلامِ دِينًَا فَلَنْ يُقْبَل مِنْهُ) (آل عمران:85) .
فهو دين واحد للكون والحياة لا يصلحان إلا به، ومن ابتغى صلاح الأرض والعباد والبلاد بغير هذا (الدين الوحيد) فلن يستطيع، ولن يقبل منه مهما حسنت نيته، والله تعالى يقول: (ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا) وما تصلح الأرض إلا بشريعة آدم التي دعا إليها الأنبياء من ذريته وهي الإسلام، وإفراد الله بالعبادة.
وهذا كلّه يكشف (مدفون) صدر الألمعي، وأنه يتذرع بهذه الخطوة لمصادمة أصرح مرتقبة في آخر مقاله! برفض بها دين النبي صلى الله عليه وسلم، ويمنح الناس (الحرية) في كلّ شيء حتى لو بلغ بهم ذلك إلى أقبح الكفر وأفجر العمل.
(يُتْبَعُ)