فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الوقفة الثالثة: زعم الألمعي في (طلسم) كلامه أن رفض تعظيم القبور مخالف لما عليه الإمام أبو حنيفة ومالك والشافعي وأبو علي -هكذا قال وهو أبو محمد - ابن حزم، وهذا كذب على هؤلاء، بل هم ينكرون تعظيم القبور، ونقل كلام أئمة هذه المذاهب يطول ومن ذلك قال العلامة القرطبي في تفسير سورة الكهف: (فاتخاذ المساجد على القبور والصلاة فيها والبناء عليها إلى غير ذلك مما تضمنته السنة من النهي عنه ممنوع لا يجوز) (تفسير القرطبي 10:379) .
وقد أفتى جماعة من الشافعية بهدم ما في القرافة من أبنية على القبور، منهم الجمّيزي الشافعي [ت:649هـ] ، والتَّزَمنْتَي جعفر بن يحيى [ت: 682هـ] و قال القاضي يوسف بن أحمد المعروف بابن كَجّ الشافعي [ت:405هـ] : (ولا يجوز أن تجصَّص القبور ولا أن يُبنى عليها قباب ولا غير قباب، والوصية بها باطلة) .
قال أحمد بن عبدالله الأذرعي [ت:781هـ] : (أما بطلان الوصية ببناء القباب وغيرها من الأبنية وإنفاق الأموال الكثيرة فلا ريب في تحريمه .. ) (فتح المجيد::1/ 399) .
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في رسالته الماتعة"شرح الصدور في تحريم رفع القبور" (ص: 7) : (اعلم أنه قد اتفق الناس سابقهم ولاحقهم، وأولهم وآخرهم من لدن الصحابة رضي الله عنهم إلى هذا الوقت أن رفع القبور والبناء عليها بدعة من البدع التي ثبت النهي عنها واشتد وعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاعلها .. ولم يخالف في ذلك أحدٌ من المسلمين أجمعين .. ) .
فما هذه المغالطة يا ألمعي؟
أفساد في الطوية، وحيف في القضية؟!
فلا نقل مصدق، ولا قول محقق؟ سبحان الله العظيم.
الوقفة الرابعة والأخيرة: توصل الألمعي بعد (طلسمته!) إلى أن كافة ما يصنع في المساجد والمعابد والكنائس والبيع والقبور وكافة أهل الديانات في دياناتهم ليست من الاعتقاد في شيء، وإنما هي عنده (عادات بشرية) اتخذوها لتهذيب النفس لما لم تحقق هذا بالعبادات الأخرى فقال بأن: (أهل المساجد والكنائس ومواقع الطقوس شرقا وغربا في هذاالعالم، ووجد أن كل تلك الطقوس ليست أمورا عقدية على الإطلاق، وإنما هي تعبير حسّيعن الأمل والصِّلة بالبعيد غير المنظور، وبحث عن الصفاء والنقاء والنجاة بأساليبلمْ تكفِ فيها عندهم وسائل العبادة المتفق عليها) .
ثم منحهم الحرية في طرق تعبدهم فقال: (هذه الأمور ليست سوى مساحة من الحرِّيّة التي لا يمكن حجْرُها على الشعوب، وأن في كل شعب ومكان رموزا وعظماء يعطيهم التاريخ والفطرة حق التخليد بشكل أو بآخر) .
وهذا كلام قبيح الصورة، بالغ الخطورة، فاسد التأصيل، منحرف التأويل، مصادم لصريح القرآن والسنة، وإجماع الأمة، ممزوج بين دين الفلاسفة والمرجئة، وتقرير فساده لا يخفى على عامة الناس بله العقلاء والفضلاء والعلماء منهم! بل المشركون يعترفون أنهم (يعبدونهم) فقالوا: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) ولكلّ أرباب ملة عقيدةٌ في معبوداتهم يصرفون إليهم بسببها أنواع العبادة، وما يقدمونه إليهم من (العكوف) و (الصدقة) و (الدعاء) و (القرابين) كلها عبادات ساقهم إلى التقرب بها إليهم عقائدهم الفاسدة.
والله تعالى لا يرضى منّا (الحرية) بل يريد منا (الاستسلام) ويريد منا (العبودية) فنحن (مسلمون) مستسلمون لله تعالى (عبيد له) تحت قهره وسلطانه، ونحن بذلك أصدق الأحرار لأننا عبيد لله الواحد القهار، ومتى خالفنا أمره (مرقنا) عن دينه، وعبدنا غيره، وأشركنا به ما ليس لنا به علم، وصرنا أذلة تحت أذلة، وهذه أقبح صور الذلة!
واعتقاد كفرِ كلّ دين سوى دين الإسلام أصل من الإسلام لا يصح إلا به، كما قال تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:256) وقوله: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) (الزخرف: 26 - 27) وقال تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) (الممتحنة: 4) .
والله أعلم.
وكتب
بدر بن علي بن طامي العتيبي
عضو الدعوة والإرشاد بمحافظة الطائف
الخميس 29جمادى الاولى 1431هـ