فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
قال الدارمي في النقض، (57) : (والله تعالى له حدّ لا يعلمه أحد غيره، ولا يجوز لأحد أن يتوهّم لحدّه غاية في نفسه، ولكن، نؤمن بالحدّ، ونكل علم ذلك إلى الله) ، وروى عن ابن المبارك أن لله حدّا؛ وقال عثمان بن سعيد بعد أن ذكر قول الجارية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله إنه في السماء، قال الدارمي: (وأنه لا يجوز في الرقبة المؤمنة إلا من يحدّ الله أنه في السماء) .
ومسألة الحدّ مسألة كبيرة، جرت فيها فتنة لابن حبان، فأُخرج من سجستان، لأجل إنكاره له.
ولو لم يكن في الحدّ إلا أنه لم يرد به نصّ، لكفاه أن يكون مرفوضا، إذ الأمر يتعلق بصفات الله، ولا يوصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم.
ولعلّه لأجل شيوع القول بالحدّ عند بعض أهل الحديث، تُرى مسألة الحدّ هينة، وبعيدة عن التجسيم، ومع ذلك، فعبارات أخرى للدارمي تُبت تجسيمه ..
قال الدارمي في (64) من النقض: (فالله الحي القيوم القابض الباسط، يتحرك إذا شاء، وينزل إذا شاء، ويفعل ما يشاء، بخلاف الأصنام الميتة التي لا تزول حتى تزال) ؛ وقال في (52) : (لأن الحي القيوم يفعل ما يشاء، ويتحرك إذا شاء، ويهبط ويرتفع إذا شاء، ويقبض ويبسط، ويقوم ويجلس إذا شاء، لأن أمارة ما بين الحي والميت التحرك، كل حي متحرك لا محالة) .
من أخبره ببعض ما ذكره هنا؟ أكتاب أم سنة؟!
إن الحركة أمارة ما بين الحي والميت من المخلوقات، وليس للأمر صلة بالخالق سبحانه، فمن ذا الذي جرّ صفات المخلوقات إلى الخالق سبحانه؟
ونسبة الحركة إلى الله تعالى تجسيم ظاهر، قال ابن عبد البر، في التمهيد، (7/ 137) ، من الطبعة المغربية: (وليس مجيئه حركة ولا زوالا ولا انتقالا، لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسما أو جوهرا .. ) .
وقال عثمان بن سعيد عن الله سبحانه وتعالى، (64) : (غير أنه وَلِيَ خلق الأشياء بقوله وأمره وإرادته، وولي خلق آدم بيده مسيسا، وشرف بذلك ذِكره، لولا ذلك ما كانت له فضيلة في ذلك عن شيء من خلقه، إذ كلُّهم خلقهم بغير مسيس في دعواك) ، يقصد في دعوى بشر المريسي.
أليس قوله: خلق آدم بيده مسيسا، دليلا على تجسيمه؟ أوليس مثل هذا الكلام بدعة يخرج بها قائلها عن أهل السنة والجماعة؛ أما كان يكفي الدارميَّ أن يفوّض علم المعنى في لفظة: (لِما خلقْتُ بيدي) ، فلا يدخل من بوابة تفسيرها إلى التجسيم؟ وإلا، فهل في نصوص الكتاب والسنة شيء من هذا؟!
وفي الصفحة (290 - 291) ، من النقض يقول الدارمي: (فقال: ألا ترى أنه من صعد الجبل لا يقال له: إنه أقرب إلى الله تعالى؟، فيقال لهذا المُعارِض المدّعي ما لا علم له: من أنبأك أن رأس الجبل ليس بأقرب إلى الله تعالى من أسفله، لأنه من آمن أن الله تعالى فوق عرشه، فوق سماواته، علم يقينا أن رأس الجبل أقرب إلى الله تعالى من أسفله، وأن السماء السابعة أقرب إلى عرش الله من السادسة، والسادسة أقرب إليه من الخامسة، ثم كذلك إلى الأرض، كذلك روى إسحاق بن إبراهيم الحنظلي عن ابن المبارك أنه قال: رأس المنارة أقرب إلى الله تعالى من أسفلها، وصدق ابن المبارك، لأن كل ما كان إلى السماء أقرب، كان إلى الله أقرب، وقرب الله إلى جميع خلقه أقصاهم وأدناهم واحد، لا يبعد عنه شيء من خلقه، وبعض الخلق أقرب إليه من بعض، على نحو ما فسّرنا من أمر السماوات والأرض، وكذلك قرب الملائكة من الله، فحملة العرش أقرب إليه من جميع الملائكة الذين في السماوات كلها، والعرش أقرب إليه من السماء السابعة، وقرب الله إلى جميع ذلك واحد؛ هذا معقول مفهوم إلا عند من لا يؤمن بأن فوق العرش إلها، وكذلك سميت الملائكة: المقربون، وقال:(إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته، ويسبحونه وله يسجدون) ، فلو كان الله في الأرض كما ادّعت الجهمية، ما كان لقوله: (إن الذين عند ربك) ، معنى).
انتهى نصّ كلام الدارمي.
إنه قال شيئين: الأول: قرب الله إلى جميع خلقه واحد، وقول الإمام الدارمي رحمه الله هنا حق لا ريب فيه، غير أن القرب هنا، ليس قرب مسافة.
الثاني: قوله: (من آمن أن الله تعالى فوق عرشه، فوق سماواته، علم يقينا أن رأس الجبل أقرب إلى الله تعالى من أسفله، وأن السماء السابعة أقرب إلى عرش الله من السادسة، والسادسة أقرب إليه من الخامسة، ثم كذلك إلى الأرض) ، وهذا تجسيم واضح، لأن قرب تلك المخلوقات التي ذكرها إلى الله تعالى، هو قرب مسافة على حسب عبارته، وهو التجسيم بلا ريب؛ فمن أخبر الدارميَّ بهذا، أكتابٌ أم سنة؟
إنني أتأسّف أن يكون الدارمي ذاك أحد مراجع العقيدة عند ابن تيمية وابن القيم، والذي لا شكّ وجد طريقه إلى سلفية العصر المقلّدة لابن تيمية وابن القيم، رحمهما الله تعالى.
أما ما نسبه إلى ابن المبارك، فلا يتضح اتصال السند فيه، ويحتاج أمره إلى تحقيق.
أرجو ملاحظة أنني نقلتُ كلام الدارمي وكلام غيره في هذه المشاركة من مداخلة لي كنت كتبتها في أحد المواقع، فنسختها من هنالك، وكنت قد نقلتها فعلا من كتاب النقض للدرامي.
والسلام عليكم ورحمة الله.
سآتي على هذا الكلام بجواب مستفيض فيما يلي من المشاركات بعون الله تعالى.
(يُتْبَعُ)