ـ [خلدون مكي الحسني] ــــــــ [24 - Sep-2010, مساء 05:49] ـ
أيها الإخوة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لفت انتباهي بحثكم هذا بارك الله فيكم.
وبعيدًا عن الخوض في دقائق المسائل، أحببت أن أذكِّر الذين يطعنون في الإمام الدارمي بغير علم، أنهم إنما يقعون في عرض عالمٍ كبير من مشاهير علماء المسلمين في القرن الثالث الهجري!!
قبل أشهر تطاول أحد أدعياء العلم وقليلي البضاعة في دمشق على شيخنا العلاّمة محمد كريّم راجح (مفتي الشافعية في الشام وشيخ القرّاء فيها) لأنه أثنى في تفسيره المبارك (قبسٌ من القرآن الكريم) على كُتب الدارمي!! وقال ذلك الدَّعيّ الجاهل الحاقد:"إن كتاب الدارمي من الكتب المرذولة المحتوية على الكفر الصريح". كذا قال، وبئس ما قال.
وللذين لا يعرفون من هو الدارمي أقول باختصار:
الإمام الدارمي الشافعي (197 ـ 280هـ) : هو الحافظ الكبير عثمان بن سعيد الدارمي الشافعي صاحب المسند الكبير ( [1] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=405505#_ftn1 ) ) ، وهو تلميذ البويطي صاحب الإمام الشافعي.
وللدارمي كتاب في الرد على الجهمية وكتاب في الرد على بشر المريسي الحنفي تلميذ أبي يوسف، والدارمي هو الذي قام في هراة على محمد بن كِرام (المجسِّم) الذي تنسب إليه الكِرامية، حتى طردوه منها. وكتب الدارمي ليس فيها سوى سرد أقوال علماء المسلمين الأعلام والرد على المبتدعة الجهميّة والمعتزلة!! وأمّا مذهب الدارمي فقد روى الحافظ الذهبي فقال: (( قال محمد بن إبراهيم الصرام: سمعت عثمان بن سعيد يقول: لا نكيف هذه الصفات، ولا نكذّب بها، ولا نفسرها ) ). ( [2] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=405505#_ftn2 ) )
وقال عنه السبكي الشافعي الأشعري الصوفي: إنه (( محدِّث هراة وأحد الأعلام الثقات ... وقال أبو الفضل يعقوب الهروي القراب: ما رأينا مثل عثمان بن سعيد ولا رأى هو مثل نفسه ) ) ( [3] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=405505#_ftn3 ) )
إذن الدارمي ليس مجسِّمًا، بل على العكس كان يجابه المجسِّمة ويفضح ضلالهم. ولا يكيّف الصفات ولا يفسِّرها ولا يكذب بها.
والذين يحقدون عليه إنما هم الجهميّة وأضرابهم!.
والأشاعرة المتقدمين لم يطعنوا فيه، بل أثنوا عليه وعلى كتبه وعلى موقفه من المجسّم محمد بن كرام. والسبكي صاحب الطبقات من الأشاعرة المتعصّبين ومع ذلك أثنى عليه ولم يطعن فيه.
وكان العلاّمة المحدِّث أحمد بن الصديق الغماري ـ أحد أعيان رجال التصوف في القرن الماضي ـ، يُثني كثيرًا على كتب الدارمي وينصح بها ويهاجم منتقديها.
إذن علماء الأشاعرة وعلماء الصوفية ـ المشاهير والمقدمين عندهم ـ لم يطعنوا في الإمام الدارمي، فمن هم الطاعنون اليوم وما مذهبهم؟؟
الذي نراه أن أصحاب هذه الدعوى إنما هم مقلِّدون للشيخ الكوثري، والكوثري كما هو معلوم ليس أشعريًا!! وإنما هو صاحب مزيج من الاعتقادات ففيه تجهّم واعتزال وقدرية و ... الخ
ثم هو حنفيٌّ شديد التعصب، وتعصّبه منقطع النظير، ولمّا كان الدارمي أحد أهمّ الأعلام الذين ردّوا على بشر المريسي الحنفي تلميذ أبي يوسف، فكان حتمًا على الكوثري أن يطعن فيه كما طعن في عشرات وعشرات الأئمة المتقدمين بسبب كلمة أو موقف اتخذوه من الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
وإليكم ما قاله أحد أقرب الناس إلى الكوثري!
قال العلاّمة مصطفى صبري شيخ الإسلام للدولة العثمانية سابقًا، يصف صديقه"الشيخ الكوثري": (( .. والآن أجده قدريًّا صريحًا، وقد سمعته يقول إن مذهب المعتزلة القدريّة الذي انقرض رجاله، ما زال يعيش في هذه المسألة تحت اسم الماتريدية، وفي بعض البلاد باسم الشيعة الإمامية، فكنتُ أفهم منه أنه يُفضّل ما في الاعتزال من التفويض الخالص على اضطراب الماتريديين وأشباههم من الباحثين عن أمرٍ بين أمرين، فهو معتزلي أي قدريٌّ قائل باستقلال العباد في أفعالهم الاختيارية، في حين أني أشعريٌّ قائلٌ بالجبر المتوسط أي الجبر في أفعالهم بواسطة الجبر في إراداتهم. فكأنما لمّا خرجنا من تركيا الماتريدية ذهبتُ أنا مشرِّقًا وذهبَ فضيلته مغرّبًا ) ).انتهى ( [4] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=405505#_ftn4 ) )
أقول: رحم الله الحافظ الذهبي القائل: (( فليُعْذَر من تأوَّل بعض الصفات. وأما السلف، فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكفّوا، وفوّضوا علم ذلك إلى الله ورسوله، ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده مع صحة إيمانه، وتوخيه لاتباع الحق أهدرناه، وبدَّعناه، لقل من يسلم من الأئمة معنا ) ). ( [5] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=405505#_ftn5 ) )