هنا، في سيّارة الأجرة هذه، أتذكّر أنّي كتبت أولى ملاحظاتي. لا أتذكّر الكلمات الفعلية التي دوّنتها لكن محتواها. استغربت حينها كوني لم أقدّر جيدًا حتى الآن الرهان الذي نقوم به: هذا المشروع يثير كره الإسرائليين لحدٍّ قد يستعينون به بالقوّة لإيقاف أسطول السفن.
لكنّ هذه الفكرة غادرتني حتى قبل الوصول إلى المطار. فيما يخصّ هذه النقطة بالذات، كان هدف الرحلة واضحًا وصريحًا أيضًا: لن نلجأ إلى العنف، ولن نملك أسلحة، ولن نعرب عن رغبة في المواجهة. إذا ما مُنعنا من التقدّم، يجب أن تحلّ المسألة من دون أن تتعرّض حياة المشاركين للخطر.
الأربعاء 26 أيار نيقوسيا
الحرارة أكثر ارتفاعًا مما كانت عليه في نيس. الأشخاص الذين سينضمّون إلينا على السفينة يجتمعون في فندق Centrum في نيقوسيا ... سنقوم بكسر حصارٍ غير شرعي. تتردّد هذه الكلمات بلغاتٍ عدّة. لكن فجأة، تتضاعف الشكوك. تأخّرت السفن، طرأت بعض المشاكل، لا نعرف بعد في أيّ مكانٍ ستتجمع السفن الستّة. قبرص ترفض أن تستقبل سفننا. لا بدّ من أن "إسرائيل" مارست عليها بعض الضغوط ( ... )
الخميس 27 أيار
ما زلنا ننتظر. الحرارة خانقة
الجمعة 28 أيّار
أتساءل إن كان الأمر سينتهي هكذا. إن كنت سأضطرّ لمغادرة هذه الجزيرة من دون أن أستقلّ أيّ سفينة. يبدو أن هناك نقصًا بالأماكن على متن السفن، وأنّ هناك لوائح انتظار للمشاركة في هذه الرحلة التضامنيّة. النائب اللّطيف ك. وزوجته الطبيبة س، السويديان اللذان يشاركانني هذه الرحلة ساهما في الحفاظ على الروح المرحة. السفر بالسفينة عمل مضنٍ دومًا، أقول في سرّي. نكمل في تنفيذ مهمّتنا. ننتظر.
السبت 29 أيّار
كلّ شيءٍ سار بسرعة فجأةً. سوف نصعد بالرغم من أنّ كلمة ربّما ما زالت تحوم في الأجواء على متن مركبٍ سريع حتى ننضمّ إلى السفن الخمس الأخرى في عرض البحر ونبحر معًا إلى غزّة. ننتظر. قبل الساعة الخامسة بقليل، تأذن لنا سلطات المرفأ بالصعود على متن سفينة تدعى Challenger ستقودنا إلى نقطة الالتقاء حيث سنستقلّ سفينة Sophia (...) عند الساعة الخامسة بالضبط، دارت محركّات الديزل بصوتٍ هادر. ها قد انطلقنا.
الساعة الحادية عشرة ليلًا
استلقيت على كرسي على الجسر الخلفي للسفينة. الهواء ليس قويا جدًا، لكنه قويٌّ بما يكفي ليصاب بعض الركاب بدوار البحر. ملتفًا بغطاء، رحت أراقب القمر يرسم طريقًا على الماء وهو يزيّن الأمواج، وأفكّر في أن التضامن قد يأخذ فعلًا أيّ شكلٍ كان. لا نتكلّم كثيرًا فيما بيننا على السفينة بسبب صوت المحركات. معظم الأشخاص يحاولون النوم، او الاستلقاء على الأقل. أقول في سرّي إن الرحلة حتى الآن تبدو هادئة بشكلٍ لافت، لكنّه هدوءٌ خائن.
الأحد 30 أيّار جنوب شرق نيقوسيا بحرًا الساعة الواحدة ليلًا
أضواء باهرة. كابتن السفينة الذي لم أستطع حفظ اسمه حتى الآن أبطأ السرعة. الأضواء التي تلمع أمامننا هي لسفينتين من الأسطول. سوف نتوقّف عن السير الآن بانتظار الصباح، حتى نتمكّن من الانتقال إلى السفن الأخرى. حتى الآن لم أجد بعد مكانًا أستطيع الاستلقاء فيه لأنام. أكاد أغفو وأنا جالس على كرسيّي المبتل. التضامن يبدأ بالرطوبة، بالانتظار، هكذا نساهم في أن يحظى آخرون بسقفٍ يحميهم.
الساعة الثامنة صباحًا
البحر أصبح أكثر هدوءًا. نتوجّه نحو أكبر سفينةٍ في الموكب. سفينةٌ لنقل المراكب على متنها أكثر من مئة شخص. تحدّثنا كثيرًا عن أنّ الإسرائيليّين سيركّزون نشاطهم على هذه السفينة بالذات. لكن أي نشاط؟ إنّه السؤال الذي نجترّه منذ أن انطلق المشروع. هل ستقوم البحريّة الإسرائيليّة بإغراق السفن؟ أم ستصدّها بالقوّة؟ أم أنّها، وهو الحلّ الأنسب، ستسمح للسفن بالمرور وتكسب بذلك من جديد سمعتها التي تتشوّه أكثر وأكثر في نظر العالم؟ لا نعرف. لكنّ أكثر الأمور احتمالًا هو أن تأمرنا بالعودة أدراجنا ما ان نقترب من مياهها الإقليميّة، مستخدمةً مكبّرات الصوت على متن مراكبها البحريّة. إذا ما رفضنا حينها، فقد تقوم بهدم مراوح أو دفف السفن ثمّ تجرّنا إلى مرفأ ما حتى نصلح أعطالنا.
الساعة السادسة مساءً
(يُتْبَعُ)