كلمة «انتظار» لم تعد ضمن قاموسنا. ها نحن نقترب الآن. لكن مم؟ لا أحد يعرف ما سيفعله الإسرائيليّون. لا نعرف سوى تهديداتهم بأنّ الأسطول سيصدّ بكلّ الطرائق. لكن ما الذي يعنيه ذلك؟ مناورات سريّة؟ سحب السفن بالقوّة؟ إنزال جنود من طائرات الهيليكوبتر؟ لا نعرف. لكن العنف، إذا ما استعمل، فلن يكون من نتاجنا. لن نقوم بالرد بما يتعدّى دفاعنا الشرعي عن أنفسنا. لكن في الوقت ذاته، بإمكاننا ان نصعّب المهمة على الذين قد يهاجموننا. لذا نقرّر أن ننشر أسلاكًا شائكة على أطراف السفينة. نعتاد على ارتداء بذلة الإنقاذ. ننظّم دورات حراسة ونتّفق على المكان الذي سنجتمع فيه إذا ما صعد الجنود على متن السفينة.
الاثنين 31 أيّار الساعة الثانية عشرة ليلًا
أتولّى أمر المراقبة ما بين منتصف اللّيل والساعة الثالثة. تمرّ الساعات بسرعة. أتنبّه للتعب الذي أنا فيه عندما يأتي شخص آخر لأخذ مكاني في المراقبة. لا نزال بعيدين عن المياه الإقليميّة التي قد تظنّ "إسرائيل" أنّ من حقّها حمايتها. سيكون بمقدوري أن أنام بضع ساعات.
الساعة الرابعة والنصف
كنت قد غفوت لتوّي عندما استيقظت مجدّدًا. ذهبت إلى سطح السفينة ووجدتها مضاءة. سمعت صوت إطلاق نار. فهمت أنّ "إسرائيل" اختارت مواجهتنا بالعنف، في المياه الدوليّة.
مرّت ساعة قبل أن تقترب منّا الزوارق الهوائيّة الإسرائيليّة الضخمّة محمّلةً بجنود مقنّعين. يحتّلون السفينة. نجتمع كلّنا على عبّارة السفينة. يريد الجنود إنزالنا إلى السطح. ينفد صبرهم. يتطلّب الأمر من أحد الركّاب بعض الوقت فيحصل فورًا على ضربة صاعقٍ كهربائي في اليد. يقع أرضًا. راكب آخر، بطيء أيضًا، يصاب بطلقة رصاصٍ مطّاطي. أفكّر في كون ذلك يحصل في القرب منّي. الأمر واقعي جدًا. أشخاص لم يفعلوا شيئًا يعاملون كالماشية ويعاقبون على بطئهم.
يجمعوننا ويجلسوننا على سطح السفينة. سنبقى على هذه الحالة إحدى عشر ساعة حتى نصل إلى «إسرائيل» . من وقت لآخر، يقوم الإسرائيليّون بتصويرنا من دون أن يملكوا حقّ القيام بذلك. أريد أن أدوّن بعض الملاحظات، لكن أحد الجنود يقترب منّي ويسألني عمّا أكتبه. إنّها المرّة الوحيدة التي أنفعل فيها. أجيبه بأن الأمر لا يعنيه. لا أرى سوى عينيه. لا أعرف ما الذي يفكّر فيه. لكنّه يدير ظهره ويذهب. إحدى عشرة ساعة من الجمود، مكوّمين على بعضنا البعض في الحر، الأمر يشبه التعذيب. علينا الاستئذان قبل الدخول إلى الحمام. كلّ ما نحصل عليه من طعام هو بعض البسكويت والتفاح. لا يحقّ لنا أن نحضّر بعض القهوة، في الوقت الذي كان بإمكاننا ان نقوم بذلك من مكاننا. نتّفق كلّنا على ألا نطلب من الجنود الإذن لتحضير الطعام. وإلا لقاموا بتصويرنا واستخدموا ذلك ليظهروا مدى نبلهم معنا. نكتفي بالبسكويت. الوضع كلّه مذل جدًا ( ... )
خلال هذه الساعات الإحدى عشرة، امتلكت الوقت الكافي لأحللّ الوضع وأستخرج بعض النتائج. لقد هوجمنا في وسط البحر، في المياه الدوليّة، ما يعني أنّ الإسرائيليّين قد تصرّفوا كقراصنة، لا يختلفون بشيء عن أولئك الذين يمارسون قمعهم في عرض البحر الصومالي. ومنذ اللّحظة التي تولّوا فيها قيادة السفينة وراحوا يقتادوننا إلى «إسرائيل» ، نستطيع القول اننا اختطفنا. إنّ هذا التدخّل يعدّ انتهاكًا للقانون، من اوّله إلى آخره.
نحاول ان نتحدّث فيما بيننا لنفهم اكثر ما قد يحدث بعد ذلك. الجنود ينظرون إلينا. بعضهم يحاول التظاهر بعدم فهم اللّغة الإنكليزيّة. في الحقيقة هم يفهمونها جيدًا. يوجد بينهم بعض الفتيات. بدا عليهنّ أنهنّ منزعجات. ربّما سوف يدمنّ على المخدّرات حتى الموت بعد أن ينهين خدمتهن العسكريّة؟ يحدث ذلك كثيرًا.
الساعة السادسة مساءً
وصلنا إلى اليابسة، في مكانٍ ما من «إسرائيل» . لا أدري أين، أنزلونا أرضًا وأرغمونا على الركض في الطرقات بين الجنود بينما يقوم التلفاز العسكري بتصويرنا. أظنّ أنّ هذا، وبالتحديد هذا، لن أسامحهم عليه أبدًا. في هذا اللّحظات بالذات، لا أفكّر بشيء آخر سوى بكونهم أوغادا قذرين.
(يُتْبَعُ)