فهرس الكتاب

الصفحة 25824 من 28557

وتُعرَض نظرية التماثل الفكري من قبل أصحابها على أنّها خطوة متقدّمة لأنها تسمح على الأقل بإلحاق بعض الأفراد غير الآدميين بجماعة المماثلين. وفي نظري يفتقر هذا التحليل إلى الصحّة بمعنى أن العكس هو الصحيح، إذ ليس من شأن نظرية التماثل الفكري إلا أن تغذّي ميلنا إلى أن نُقصي عمليًا كل ما هو غير آدمي عن الجماعة المعنوية.

وربما آن الأوان لأن نتفحّص عن كثب هذا المشروع الكبير الذي يقضي بإتباع الدلالة المعنوية للكائنات غير البشرية بمواصفاتٍ إدراكية أكثر أهمّيةً من حساسيّتها، بدلًا من محاولة تحديد ما إذا كان غير الآدميين يتمتّعون بمثل تلك المواصفات الإدراكية، أو إذا كانوا يمتلكونها بطريقةٍ تجعلهم أقرب إلى الإنسان بما يكفي لكي يستحقّوا حياة معنوية وقانونية.

تكفي وحدها القدرة على الإحساس باللذّة وبالألم

فأوّلًا تبدو لي نظرية التماثل الفكري عبثيّةً بمعنى ما. فهل هناك شخص، سبق له أن عاش مع كلبٍ أو هرٍّ، ينفي عنهما كلّ أشكال الذكاء وإدراك الذات، حتى وإن كانت هذه الحيوانات بعيدة عنا جينيًا أكثر من القردة الكبار؟ لكن بكلّ بساطة لا يمكن تفسير تصرّف هذه الحيوانات غير الآدمية، بطريقةٍ مستساغةٍ ومتماسكة، بدون العودة إلى مبدأ الفكر. وربّما يكون من المستحيل التأكيد بشكلٍ مطلق وجازم على وجود تصرّفاتٍ مقصودة عندها شبيهة بتصرّفات الكائنات التي تستعمل لغة الدلالات، إلا أنّها تتمتّع بما لا يقبل الشكّ بقدراتٍ إدراكية مثل الثقة والرغبة والخ.

ومن جهة أخرى أليس من المثير للدهشة، بعد مائة وخمسين عامًا على داروين، أن يؤدّي الاستنتاج بوجود حيواناتٍ تمتلك مواصفات كنّا نعتقد أنها حكرٌ على الإنسان، إلى إثارة كلّ هذه المشاعر؟ والرأي القائل بأن البشر يتمتّعون بخاصّيات ذهنيّة يفتقدها كليًا عالم الحيوانات، تتناقض مع نظرية التطوّر لدى داروين المبنيّة على مبدأ أنّه لا وجود لأي مميّزات إنسانية كلّيًا. ولا يعني هذا أنّه ليس هناك أيّ فرقٍ مهمّ يميّز حيوانًا يستعمل لغة رمزية عن آخرٍ عاجزٍ عن ذلك. بل يعني بكل بساطة أن امتلاك أحد الحيوانات خاصّيةٍ إدراكيةٍ لا يجعله متفوّقًا"نوعيًّا"على الحيوان المحروم منها.

وبالرغم من اقتناعي بأن غير الآدميين يمتلكون هذه المميّزات الرفيعة التي نعتبرها بشريّة حصرًا، فأنا مدركٌ تمامًا أنّه لا بدّ من مناقشة هذه النقطة. وهذا واقع، فالتمايزات بديهية بين الذكاء الإنساني وذكاء الحيوانات التي لا تستعمل لغةً. لكن هناك على الأقلّ سببان لرفض المفهوم القائل بأن معيار وجود الشعور لدى الكائنات غير الآدمية ليس كافيًا للاعتراف بحقّهم في أن يكونوا أعضاءً كاملين في الجماعة المعنوية.

الأوّل هو قبل كلّ شيء ذو طابع عمليّ: فهل أنّ نظرية التماثل الفكري تفضي على الأقل إلى تغييرات جدّية لدى غير الآدميين هؤلاء الذين يتمتعون بمميّزاتٍ إدراكية قريبةٍ جدًا من مميّزاتنا؟

أما السبب الثاني فهو مفهومي، ويُبرِز عجز هذه النظرية عن مقاربة المسألة المعنوية الأساسية: لماذا المميّزات غير الشعورية يجب أن تكون مطلوبةٌ للتمكّن من الانتماء إلى الجماعة المعنوية؟

والمحتمل هو أن نظريّة التماثل الفكري لن يكون لها أيّ أثرٍ سوى تأخير موعد اضطرارنا إلى مواجهة واجباتنا القانونية والأخلاقية تجاه غير الآدميين. أقلّه للوقت الذي نحتاجه لنُثبِت"الدليل الحسي"المفترَض على أن بعض هذه الكائنات تتمتّع على الأقل بذكاءٍ قريب من ذكاء الإنسان. لكن حتى إذا تمّ البرهان على هذا التماثل، سنتظاهر بالجهل ونستمرّ في استغلال الحيوانات. فمثلًا القرابة القويّة بين البشر والشامبانزي أمرٌ لا يمكن دحضه. فحمضها النووي شبيهٌ بما عندنا بنسبة 98.5 في المئة. أضف إلى ذلك أن بعض سلوكها العقلي والثقافي شبيهٌ بما عند الإنسان. ونحن نعرف نقاط التشابه هذه منذ زمنٍ طويل. وعلى كلٍّ فإن مجمل"مشروع القِرَدة الكبار"كان يهدف إلى البرهان بشكلٍ مُفحمٍ أنّه لا يوجد، بين البشر والقِرَدة الكبار، أي فروقاتٍ تبرّر إقصاء هذه الحيوانات عن الجماعة المعنوية. ومع ذلك نحن نستمرّ في سجن الشامبانزي في حدائق الحيوانات وفي استعمالها للتجارب في اختبارات الطبّ الحيوي. فحتى"جاين غودول"الذي كان وعن جدارة"قد كشف للعلن أن الشمبانزي هم أفرادٌ يتمتّعون بشخصياتٍ"

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت