فهرس الكتاب

الصفحة 25915 من 28557

أولا: عندما نطلق الكلام عن العقل، فماذا نقصد؟ أي عقل نريد؟ عقل زيد أم عقل عمرو أم عقل فلان أم فلان؟ فإن العقول تتفاوت وتختلف اختلافا لا ينكره عاقل! ولو قال قائل"إنني لا أقبل الدلالة الظنية للنص (س) إذ خالفت ما هو عندي بمثابة الدليل العقلي القطعي (وسمِّه: ص) ، فأنا أنصرف إلى تأويل ظني للنص (س) يتسع له لسان العرب بما يوافق هذا المعنى القطعي عندي أو أتوقف وأفوِّض العلم لله"، هذا القائل بأي ضابط نقبل منه صنيعه ذاك؟ إن قلنا إننا نعدم ذلك الضابط بسبب هذا التفاوت بين عقول البشر، فقد أضعنا الدين وفتحنا الباب لكل أحد يقول هذا النص ظاهره يخالف ما هو من القطعيات العقلية عندي فأنا أذهب إلى تأويله وصرفه عن ظاهره وجوبا لهذه السبب! فأين ضابط ذلك وأين جِماعه وخطامه؟

الضابط أن نبدأ أولا بتحرير معنى القطعيات العقلية تحريرا واضحا نتفق عليه. فنقول إن القطعي العقلي هو ذلك المعنى الذي لا يختلف العقلاء في صحته، ويلزم من بطلانه فساد العقل وفساد الدين نفسه. إلى هذا الحد وبهذا التحرير، لا أظن أنه يسع أحدا من مخالفينا أن يقول أنتم تحجرتم أو تعسفتم في تعريف معنى القطعي العقلي وإخراج ما سواه منه! بل هذا التحرير واضح ولله الحمد لا يخالف ولا يماري فيه أحد. وهذا القطعي العقلي - بهذا المعنى - هو ما يتفق كل من شيخ الإسلام ابن تيمية والفخر الرازي رحمهما الله على أنه لا يتعارض بحال من الأحوال مع ما هو قطعي الدلالة من النصوص، وعلى أنه إن جاءنا نص ظني الدلالة ظاهره معارضته فإننا ننظر في ثبوته فإن ثبت فإننا ننظر في تأويله وهكذا.

وإنما يظهر الإشكال ويقع النزاع عند تنزيل صفة القطعية على بعض المعاني التي ظهرت في عقول بعض الناس، وصفة الظنية على بعض النصوص التي لم تكن من قبل داخلة عند أحد من المسلمين في معنى الدلالة الظنية التي تحتمل التأويل (فضلا عن أن يكون تأويلها واجبا) ! يظهر النزاع عندما ينتقل المخالف إلى تقعيد قاعدة عقلية مفادها إطلاق صفة القطع على لزوم عقلي باطل يتوهمه في إثبات ظاهر بعض النصوص، فيشذ بذلك عما كان عليه الأولون، إذ يدعي أن هذا الظاهر (الذي جعله ظني الدلالة) يتعارض مع القطع العقلي (ويعني بذلك تنزيه رب العالمين عن مشابهة المخلوقين) ! فإن سلمنا له بأن هذا المعنى الظاهر في تلك النصوص ظني الدلالة، فمن أين له الزعم بمعارضته لذاك المعنى القطعي العقلي الذي لا يخالف فيه أحد من المسلمين (أي تنزيه الله تعالى عن المشابهة) ؟ وهذه القاعدة التي قعَّدها المخالف للتعامل مع ظواهر نصوص الصفات، من الذي قال إن قطعيات العقل توجبها؟؟

هنا بيت القصيد! وهنا يظهر مراد شيخ الإسلام رحمه الله عندما ينسب القوم إلى رد ما يتعارض مع عقولهم هم من ظواهر النصوص، بدعوى أن (العقل) - هكذا بهذا الإطلاق - يعارضه!

لم نر أحدا من الصحابة - مع شدة الداعي لنقل هذا المعنى - يقول إن معنى اليد أو معنى النزول أو الاستواء أو غيره من المعاني يجب أن تؤول (أو تفوض) لأن ظاهرها يعارض القطع العقلي الذي هو وجوب تنزيه الله عن المشابهة!! وإنما جاءنا عن السلف تفسير لبعض النصوص على ظاهرها، وتفسير لنصوص أخرى على خلاف الظاهر، ولم نرَ ذاك التعليل العقلي العليل في شيء مما فسروه على خلاف الظاهر لا تصريحا ولا تلميحا! وإنما كانت القرائن المحتفة بالنص هي التي تذهب بهم أو ببعضهم أحيانا - كما يكون من المجتهد في أي زمان كان - إلى حمل معنى النص على خلاف الظاهر، فكانوا يتبعون تلك القرائن، ويختلفون فيها أحيانا خلافا نسوغه نحن ولا نبطله، يقول أحدهم هذه صفة أُثبتها لله بهذا المعنى الظاهر، ويقول الآخر ليست هذه بصفة إذ السياق لا يدل على ذلك، وما رأينا أحدا منهم يقول إن من تلك القرائن المانعة من الأخذ بالظاهر: لزوم المشابهة عقلا، ولا رأينا أحدهم ينكر على الآخر نسبته ذلك المعنى لله لأن لازمه التشبيه، ولا قال أحدهم هذا نص ظاهره التشبيه فإنني أؤوله أو أثبته كصفة لله ثم أفوض معناها خروجا من لزوم التشبيه!! وإنما كانوا جميعا على قلب رجل واحد في أنه سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت