فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وللجهاد أحكام مفصلة في الكتاب والسنة، وله أبواب مطولة من أبواب الفقه، قسم العبادات، تحت عنوان كتاب الجهاد، ولم يكن للمسلمين هيبة حتى شرع الجهاد، فانطلقت الجيوش والسرايا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، بقيادته وقيادة أمرائه، وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم في عهد الخلفاء الراشدين، وفيما بعد، كلما كان للمسلمين قوة وتهيأت لهم الأسباب وتوفرت الشروط، فالجهاد شريعة ماضية مع أمير من أمراء المسلمين، برًّا كان أو فاجرًا، هذا ما عليه أهل السنة والجماعة، ولم يزل الجهاد مصدر عزة المسلمين وهيبتهم، وتعطيلُه مصدرَ ذلهم، وطمع الكفار بهم، كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: (( رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ) )، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول صلى الله عليه وسلم: قال: (( إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلا، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ) )، وهذا ما يشهد به الواقع في الماضي والحاضر.
وعلم مما تقدم أن للجهاد غاية عامة، وهي إعلاء كلمة الله، وذلك يتحقق بكفِّ المعتدين عن العدوان، وبدخول من شاء الله في الإسلام، أو الخضوع لدولة الإسلام بالتزام الجزية، وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأنواع الجهاد كلها إجمالا في قوله تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير) .
وإذا جنح العدو للسلم ــ وهو المصالحة لوقف القتال وقفا مؤقتا أو مطلقا لا مؤبدا، وكان ذلك هو المصلحة للإسلام والمسلمين ــ جاز، كما قال تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم. وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين) ، والمطلق ما لم ينص فيه على توقيت ولا تأبيد، كما في موادعة النبي صلى الله عليه وسلم لليهود حول المدينة.
ومما يدل من الواقع على عظم شأن الجهاد أنه أعظم ما يخافه الكفار من المسلمين، ولم يزالوا يطعنون به على شريعة الله، ويطعنون به على المسلمين في ماضيهم وحاضرهم، ولاسيما في هذا العصر الذي كانت فيه القوة المادية في أيدي الكفار، والمسلمون متفرقون، والأكثرون مفرطون في دينهم، مما أوجب أن يوجد في المسلمين من يصانع الكفار في شأن شريعة الجهاد، ويزعم جهلا أو استرضاءً لليهود والنصارى وغيرهم، الذين لن يرضوا كل الرضا إلا باتباع ملتهم (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) وقال تعالى: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) وقال تعالى: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) أقول: يزعم هؤلاء المصانعون أن الجهاد في الإسلام إنما شرع دفاعا، وكتبوا في ذلك، وأجلبوا بأنواع الشبه، بتأييد باطلهم، حتى آل الأمر بالكفار إلى أن يطالبوا المسلمين برفع أبواب الجهاد والولاء والبراء من مناهج تعليمهم، أو بتهذيبها على الأقل، ظانِّين أن ذلك يبطل هذه الشريعة، وهيهات! فإن الله قد ضَمِن حفظ كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم موردا لطالبي الهدى علما وعملا، وقد حفظ الله أحكام شريعته وشرائع دينه بحفظ هذين النورين الكتاب والسنة، وذلك بما يُقيِّضه من الحَمَلة لهما، في كل جيل حتى يأتي أمر الله، قال صلى الله عليه وسلم: (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ) ).
ورفع راية الجهاد مطلب لكل مسلم يريد عزة الإسلام، فهو يدعو به ويتمناه، مستحضرا قوله صلى الله عليه وسلم: (( من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق ) )، قد كان في خطب أئمة الدعوة هذا الدعاء (اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الشرك والزيغ والفساد، وانشر رحمتك على العباد، يا من له الدنيا والآخرة، وإليه المعاد) .
ومن أحكام الجهاد في سبيل الله:
(يُتْبَعُ)