1.إعداد ما يستطاع من القوة، كما قال تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) وهذا الإعداد واجب لأمر الله به، وللأمر بالجهاد؛ فإن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وفي هذه الآية تنبيه على بعض المقصود من هذا الإعداد، وهو إرهاب الكفار، وهم أعداء الله وأعداء المؤمنين العداوة الدينية من جميعهم، والعداوة العدوانية المختصة بالمحاربين منهم، فإن إرهابهم جميعا ــ أي إخافتهم ــ مطلب شرعي، حتى لا يفكر المعاهد ــ من ذمي وغيره ــ بنكث العهد.
2.أسر المقاتِلة من الكفار، فإنه لا يجوز الأسر إلا بعد الإثخان فيهم، قال تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإمَّا منًّا بعد وإما فداءً حتى تضع الحرب أوزارها) ، وقال تعالى: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) . وهذه الآيات نزلت في شأن أسرى بدر، ومعنى هذا أنه إذا جاز الأسر بعد الإثخان فقد نص العلماء على أن الإمام مخير في الأسرى بين أربعة أمور تخييرَ مصلحة؛ وهي: القتل، أو الاسترقاق، أو المفاداة، أو المنُّ، وهو إطلاقهم مجانا.
3.الغنائم والسبي، فإذا غَلب المسلمون الكفار في قتالهم، فقد أحل الله لهم أن يغنموا أموالهم وديارهم التي فتحوها عَنوة، ويقسموها على حكم الله بقوله عز وجل: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) الآية، وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة خلفائه الراشدين، وكذلك أحل الله لأوليائه المسلمين سبي نساء أعداء الله الكافرين المحاربين وذريتهم، بحيث يكونون ملكا للمسلمين، ورقيقا في أيدي المسلمين، كما مضت بذلك سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وخلفائه الراشدين، والتابعين لهم بإحسان، وكم كان هذا السبي والاسترقاق سببا لسعادة من وقع فيه لدخوله في الإسلام! مع عود الحرية لكثير منهم، بسبب ما شرع الله من التحرير، ومن أجلِّ من يستشهد به في هذا صفية بنت حيي بن أخطب اليهودي رضي الله عنها، حيث صارت بالسبي مسلمة، بل إحدى أمهات المؤمنين، وكذلك أم المؤمنين جويرية بنت الحارث من بني المصطلق رضي الله عنها.
وهذا الرقيق له أحكام في جميع أبواب الفقه، ومنها العتق فإنه مخصوص بكتاب مستقل.
وهذا الحكم من أحكام الجهاد ــ وهو الرق ــ هو الذي فرض قانون الأمم المتحدة على المسلمين إلغاءه، حتى خضع لهم كل من يحترم هذا القانون.
هذا؛ ودول الكفر والطغيان المتحكمة في قانون الأمم المتحدة تستعبد الشعوب المستضعفة باسم الإصلاح، حتى كانوا يسمون احتلال بلاد المسلمين استعمارا، ولا يزال هذا المعنى باقيا في كل بلد يقع فيها الاحتلال، وأنقل هنا ما قلته سلفا في الرد على خالص جلبي في موقفه من الجهاد والرقيق، ونصه:"وما ذكر في السؤال من أقوال المذكور يتضمن نقصا في عقله، وانحرافا في فكره، وطعنا في شريعة الجهاد في الإسلام، ويظهر نقص عقله بجحده السنن الكونية الربانية من الصراع بين الناس نتيجة الاختلاف، (ولا يزالون مختلفين) وتعاقب الرغد والجوع في الأزمان والبلدان، (كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة) ، ومن العجب أنه يعيب الحروب التي جرت في الماضي، ويدرج فيها حرب الغنائم والرقيق، وهذا هو طعنه في جهاد المسلمين، والغنائم والرق حكمان من أحكام الجهاد القطعية، (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول) الآية، (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) ، ونصوص الكتاب والسنة في أحكام الرقيق لا تحصى، فالطعن في حكم الرق في الإسلام جهل أو جحد لهذه النصوص، وطعن في تلك الأحكام، ومن مغالطاته في هذا السياق نسبة الحروب إلى مناطق المتخلفين، وفي هذا تعظيم لمن هم عنده من المتقدمين."
هذا؛ ومن المعروف عند الخاصة والعامة أن دول هذا التقدم، وعلى رأسها الولايات المتحدة هي المشعلة لتلك الحروب، (كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين) ، ومَن صناع القنابل وأسلحة الدمار الشامل؟ مَن وراء هذه الحروب هنا وهناك، في العراق وفلسطين وأفغانستان والصومال وأرتريا وغيرها إلا تلك الدول المتجبرة المتسلطة؟ وهل ضرب هيروشيما التي لا ينساها التاريخ من فعل دول المتخلفين؟ أم مظهر من مظاهر تقدم تلك الدول؟ وهل من النضج والتقدم ملكهم السلاح النووي وتحريمه على غيرهم؟ اهـ.
وأحب هنا أن أسجل السبب الباعث على كتابة هذه السطور عن الجهاد، وهو أن أحد الإخوان في الله، وهو دكتور زارني يعتب عليَّ ورود اسمي في بيان أسطول الحرية الذي وقع عليه سبعون، فاعتذرت بأني لم آذن بإدراج اسمي، لأنه لم يكن من عادتي في الغالب التوقيع في البيانات الجماعية، وإنما أكتب ما أكتب مستقلا، ولكني لم أعترض عليه، ولعل إدراج اسمي كان بناءً على الثقة وحسن الظن.
وكان أهم ما اعترض به الأخ على البيان قولهم:"والواجب على أمة الإسلام إقامة الجهاد في سبيل الله تعالى، واستهداف عمق الكيان اليهودي، لطردهم من أرض المسلمين"اهـ. ويؤيد اعتراضه بأن من شروط الجهاد إذن الإمام، ومن المعلوم أن هذا لا يرد على أصحاب البيان؛ لأنه لا يلزم ــ إذا ذُكر وجوب الواجبات من الصلاة والزكاة والصيام والحج، وكذلك الجهاد ــ ذكرُ كل ما يُشترط، فمحل ذلك كتب أبواب تفصيل أحكامها، ومن المعلوم أن نصوص هذه الواجبات جاءت في القرآن مجملة في أكثر المواضع، وجاء من تفصيل أحكامها قدر يسير، وأما التفصيل التام فقد كفلته سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، نسأله تعالى أن يفتح علينا بفهم كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يمن علينا بتحكيمهما والعمل بهما، والثبات على ذلك حتى نلقى ربنا، كما أسأله تعالى أن يعز الإسلام والمسلمين، ويذل أعداء الله الكافرين. إنه سبحانه سميع الدعاء، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.
حرر في 24شعبان 1431هـ.
أملاه عبد الرحمن بن ناصر البراك
الأستاذ (سابقا) في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.