فهذا حقٌّ واجبٌ بين الأستاذ والطالب، فإن الأستاذ يطلب إقامة الحق على نفسه ليقوم به، ويَتَّهم نفسه أحيانًا، ويتعرّف أحواله من غيره، مما عنده من النَّصَفَةِ وطلب الحق، والحذر من الباطل، كما يطلب المريد ذلك من شيخه من التقويم، وإصلاح الفاسد من الأعمال الأقوال.
ومن براهين المُحِقِّ: أن يكون عَدْلا في مدحه، عَدْلا في ذمِّه، لا يحمله الهوى -عند وجود المُراد - على الإفراط في المدح، ولا يحمله الهوى- عند تعَذُّرِ المقصود- على نسيان الفضائل والمناقب، وتعديد المساوئ والمثالب.
فالمُحِقُّ في حَالَتيْ غضبه ورضاه ثابتٌ على مدحِ من مدحه وأثنى عليه؛ ثابتٌ على ذم من ثَلَبَه وحَطَّ عليه.
و أما من عَمِلَ كُرَّاسَةً في عَدِّ مثالب هذا الرجل القائم بهذه الصفات الكاملة بين أصناف هذا العالم المنحرف، في هذا الزمان المظلم، ثم ذكر مع ذلك شيئا من فضائله، ويعلم أنه ليس المقصودُ ذكرُ الفضائل، بل المقصودُ تلك المثالب، ثم أخذ الكُرَّاسَةَ يقرؤها على أصحابه واحدًا واحدًا في خَلْوَةٍ، يوقف بذلك هَمَّهُم عن شيخهم، ويريهم قدحًا فيه، فإني أستخيرُ اللهَ تعالى وأجتهدُ رأييَ في مثلِ هذا الرجلِ، وأقولُ انتصارًا لِمن يَنصًُرُ دينَ اللهِ، بينَ أعداءِ اللهِ في رأسِ السَّبعِمائة، فإن نصرةَ مثل هذا الرجلِ واجبة على كلَّ مؤمنٍ، كما قال ورقةُ بن نوفل:"لَئِِن أدْركَني يَومُكَ لأنصُرَنَّك نصرًا مُؤََزَّرًا" (2) . ثم أسألُ الله تعالى العِصْمةَ فيما أقولُ عن تَعَدِّي الحدود والإخلادِ إلى الهوى. أقول: مثل هذا- ولا أُعَيِّن الشّخصَ المذكورَ بعيْنه - لا يخلو من أمور:
أحدها: أن يكون ذا سِنٍّ تغيَّر رأيهُ لسِنِّه؛ لا بمعنى أنه اضطرب بل بمعنى أن السِنَّ إذا كبِرَ يجتهِدُ صاحبه للحَقِّ، ثم يضعُه في غير مواضِعِه، مثلًا يجتهد أن إنكارَ المُنْكَر واجبٌ، و هذا مُنكرٌ، وصاحبه قد راج على الناس، فيجب عليَّ تعريفُ النَّاسِ ما راج عليهم، وتَغيبُ عليه المفاسد في ذلك.
فمنها: تخذيلُ الطَّلبةِ، و هم مضطرونَ إلى محبةِ شيخهم، ليأخذوا عنه، فمتى تغيَّرت قلوبهم عليه ورَأَوْا فيه نقْصًا حرموا فوائدهُ الظاهرةَ والبطانة؛ وخِيفَ عليهم المقتُ من الله أوَّلًا، ثم من الشيخ ثانيًا.
المَفسَدةُ الثانية: إذا شعر أهل البدعِ الذين نحن وشيخنا قائمون الليلَ والنهارَ بالجهادِ والتَّوَجُّه في وجوههم لنصرة الحق؛ أن في أصحابنا من ثَلَبَ رئيسَ القَوم بمثل هذا، فإنهم يتطرَّقون بذلك إلى الاشْتِفاء من أهل الحقِّ ويجعلونه حجَّةً لهُم.
المفسدة الثالثة: تعديدُ المثالبِ في مقابلةِ ما يستغرقها و يزيدُ عليها بأضعاف كثيرة من المناقب، فإن ذلك ظلم وجهل.
و الأمر الثاني من الأمر الموجب لذلك: تغيُّر حاله وقلبه، وفسادُ سُلوكه بحسدٍ كان كامنًا فيه، وكان يكتمه بُرهةً من الزمان، فظهَرَ ذلك الكَمِينُ في قالبٍ؛ صورتُهُ حَقٌّ ومعناه باطلٌ.
فَصْلٌ
و في الجُملة - أيَّدَكُم الله - إذا رأيتم طاعنًا على صاحبكم فافتقدوه في عقله أولًا، ثم في فهْمِه، ثم في صِدقه، فإذا وَجَدتُم الاضطراب في عَقله، دَلَّكُم على جهْلِهِ بصاحِبكم، وما يقول فيه وعنه، ومِثلُه قِلَّة الفهم، ومثله عدم الصدق، أو قصوره، لأن نُقصان الفهمِ يُؤَدِّي إلى نُقصانِ الصِّدق بحسب ما غاب عقله عنه، ومثله العُلوُّ في السِّن فإنه يشيخُ فيهِ الرَّأْيُ والعقلُ كما تشيخُ فيه القُوى الظَّاهرة الحِسِّية، فاتَّهموا مثلَ هذا الشخص واحذروه، وأعرضوا عنه إعراضَ مُدَاراَة بلا جدلٍ ولا خُصومةٍ.
وصفةُ الامتحان بصحَّة إدراك الشخص وعقله وفهمه: أن تسأله عن مسألة سلوكية، أو علمية، فإذا أجاب عنها فأوردوا على الجواب إشكالا متوجها بتوجيه صحيح، فإن رأيتم الرجل يروح يمينا وشمالا، ويخرج عن ذلك المعنى إلى معان خارجة، وحكايات ليست في المعنى حتى ينسى رب المسألة سؤاله، حيث تَوَّهَهُ عنه بكلام لا فائدة فيه، فمثل هذا لا تعتمدوا على طعنه، ولا على مدحه، فإنه ناقص الفطرة، كثير الخيال، لا يثبت على تحرِّي المدارك العلمية، ولا تُنْكروا مثل إنكارِ هذا، فإنه اشتهر قيام ذي الخويصرة التميمي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وقوله له:"اعْدِلْ- فَإِنَّكَ لَمْ تعْدِل- إنَّ هَذِه قِسْمَةٌ لَمْ يُرَدْ بِها وَجْهُ"
(يُتْبَعُ)