فهرس الكتاب

الصفحة 26486 من 28557

بل كانت جرائمه في الميدان الفكرى أشنع وأبشع وتمكن من ابتكار سياسته الشهيرة (فرق تسد) والتى مكنته من السيطرة بأيسر السبل على الشعوب المحتلة من الهند وحتى المغرب ,

وتتركز الآثار السلبية المستديمة على شعوب المنطقة في عنصرين لا زالا قائمين لليوم ,

الأول: التأثير الجغرافي حيث عمدت بريطانيا إلى تفكيك الدول الكبري في المناطق المحتلة إلى شراذم وشظايا جغرافية جعلت على رأس كل منها حاكما ترعاه , وكان أثرها البالغ في العالم العربي حيث أن التقسيم الجغرافي في الخليج والشمال الإفريقي الحالى هو ذات التقسيم الذى اعتمدته السياسة البريطانية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ,

فتفكك العالم العربي لأول مرة إلى دويلات متناحرة ومتصارعة ,

حيث أن بريطانيا لم تكتف بالتقسيم بل حرصت على أن يكون التقسيم قلقا بصفة مستمرة والحدود محل نزاع دائم بين أولياء الأمر في تلك الدول الجديدة ,

فانفصلت لأول مرة الجزيرة العربية عن بعضها البعض وتعددت فيها الإمارات والممالك ودبت الخلافات بين العشائر الحاكمة على الحدود , وفى الشمال الإفريقي تم فصل مصر عن السودان ولم تخرج بريطانيا من مصر إلا بعد تحقيق هذا الفصل في نفس الوقت الذى كان ارتباط مصر بالسودان تاريخيا ضاربا بأعماقه في جذور التاريخ ,

وانفصل المغرب العربي إلى أربع دول وفى بؤر الحدود تشتعل الخلافات بين الجزائر والمغرب وليبيا والجزائر ,

وفى الشام تمت شرذمتها إلى ثلاث أو أربع دول تقع في منتصفها وليدة بريطانيا الأثيرة إسرائيل ,

وكما اتفق المحللون السياسيون أن بريطانيا عقب الحرب العالمية الثانية وعندما اضطرت إلى الإنسحاب بفعل عوامل التاريخ من المنطقة , لم تترك دولة من الدول المحتلة إلا ولها مع جارتها خلافات حدودية مستعصية حتى لا تترك المنطقة للولايات المتحدة كلقمة سائغة!

الثانى: منذ بدأت بريطانيا سياستها الإستعمارية وتمكنت من السيطرة على المنطقة الهائلة بين الهند وإفريقية , حتى ابتكرت سياسة (فرق تسد) والتى تعتبر اختراعا بريطانيا خالصا وجدت فيه الحل الذهبي للحيلولة دون اتحاد قوى الشعوب على قلب رجل واحد , لما يمثله هذا الإتحاد من قوة هائلة في مقاومة الإحتلال ,

ولذلك عمدت إلى دق الخلافات الأيديولوجية بالذات بين فئات الشعوب لأن هذه الإختلافات باعتبارها خلافات عقائدية وفكرية تفرز وتقسم الشعوب إلى طوائف متناحرة تتبادل العداء فيما بينها بأشد ما يكنه كل منهم للإحتلال , بل وتلجأ الطوائف في حربها مع بعضها البعض لنصرة الإحتلال نفسه مما يعضد وجوده ,

ولبيان خطورة الأمر نضرب له الأمثلة ,

فالسياسة البريطانية كانت تقوم على النظر إلى أحوال الشعوب التي تحتل دولها , وتتأمل في أحوالها ,

فإن وجدت الشعب عبارة عن أنسجة مختلفة وعرقيات أو ديانات متباينة , وتتعايش إلى جوار بعضها البعض تقوم السياسة البريطانية بزرع فتيل الفتنة بينها عن طريق استمالة بعض أنصار هذه الإتجاهات وتوجيههم إلى مرادها

مثال ذلك ما فعلته في العراق ـ وهو بلد متعدد الأعراق ـ بين الأكراد والعرب وغيرهم , وما فعلته في إيران باستغلال النزعة القومية الفارسية ـ الجاهزة أصلا لأى نصرة ـ وتغليبها على بقية القوميات في إيران مثل التركمان والعرب والبلوش

أما إذا كان النسيج الشعبي واحدا متحدا , فعندئذ تلجأ السياسة البريطانية إلى إيجاد الأفكار الشاذة على هذا المجتمع وبثها من خلاله وتشجيعها ودعمها ماديا ومعنويا والإحتفاء بها لتنشأ المعركة المتوقعة بين المحافظين وبين تلك التيارات الجديدة ,

مثلما فعلته في مصر من التقريب والإحتفاء بالتيارات الدينية الشاذة مثل رموز العصرانية الجدد الذين خرجوا من الأزهر ليهدموا بعض الثوابت الدينية المعروفة مما أثار معركة أيديولوجية هائلة لا زالت آثارها قائمة لليوم ,

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت