فهرس الكتاب

الصفحة 27152 من 28557

قال: وذكر (إليس = Ellis) في اثناء حديثه عن أهل ساحل العبيد بأفريقية أنه كان يوجد في كل مدينة من مدنهم مؤسسة، تقدم إليها الفتيات الجميلات من سن العاشرة إلى الثانية عشرة، ويقضي هؤلاء الفتيات بهذه المؤسسات ثلاث سنين، يتعلمن في أثنائها الرقص الديني، وترتيل الأوراد المقدسة، في صوت غتائي شجي، فإذا انتهت مدة تعلمهن تخصصن للبغاء المقدس، فيصبحن من الناحية النظرية وقفًا على رجال الدين، وإن كن في الواقع لا يمتنعن عمن يريدهن من غيرهم. وينظر الناس إليهن في هذه البلاد على أنهن زوجات للألهة، ويُعتقد أن ما يأتينه من أعمال ليس إلا ضربًا من ضروب العبادة التي يُتقرَّب بها إلى الله زلفى، ويُستدَرُّ بها عطف السماء؛ ولذلك كان يٌنظَر إلى من يأتين به من الأولاد على أنهم أولاد الله.

وقال وافي: وروى (إليس) كذلك عن أهل ساحل الذهب بأفريقية أن راهباتهم وقسيساتهم كان يحرم عليهن الزواج، ولكن كنَّ يزاولن نوعًا من البغاء المقدس، يشبعن عن طريقه رغباتهن مع من يشأنَ من الرجال، فإذا راق في أعين إحداهن رجلٌ ما دعته إلى منزلها، وأنهتْ إليه أن (الإله) الذي أوقفت حياتها على عبادته قد أوحى إليها أن تتخذه عشيقًا لها، فيغتبط الرجل أنْ وقع عليه هذا الاختيار، ويظل حبيسًا لديها، يحقق لها رغباته، حتى تملّه، فتستبدل به رجلًا آخر، تعيد معه القصة نفسها، وهكذا دواليك. وقد تجمع الواحدة منهن أكثر من رجل واحد في منزلها، بل قد يصل عشاقها إلى ستة رجال أو نحو ذلك، وتسير البغيُّ من هؤلاء في الحفلات المقدسة، يحيط بها عشاقها كما تحيط الحاشية بملكة أو أميرة. فحياتهن حياة فسق وفجور بالغين. وقد ينحدر بعضهن في هذه الوهدة إلى مستوى حيواني وضيع، وخاصة عندما يهيِّجها الرقص الديني، الذي تزاوله من حين لآخر.

(وقال وافي) : ومن أشهر أنواع البغاءِ المقدس ما كان يجري عليه العمل في (بابل) في معبد الإلهة ميليتَّا = زهرة (وهي في شخصيتها ووظائفها وأساطيرهاتماثل الإلهة أفروديت عند اليونان والإلهة فينوس عند الرومان والإلهة عشتروت عندالفينيقيين) وقد أفاض المؤرخ اليوناني هيرودوت في وصف هذا النظام، فذكر أن كلبنت تولد في هذه البلاد كان يجب عليها مرة في حياتها أن تذهب إلى معبد الإلهةميليتا حيث تقدم نفسها لرجل أجنبي عن البلاد، فكانت تجلس في ساحة المعبد حتى يمربها أجنبي، ويضع على ركبتها قطعة فضية من النقد، داعيًا في أثناء ذلك (أن تباركهاالإلهة ميليتا وتشملها برعايتها) ثم يصحب الفتاةَ بعيدًا عن الساحة المقدسة ليقضيمعها إربته ... وكان يُنْظَر إلى هذه الاتصالات على أنها ضربٌ من العبادة الدينية، أو نوعٌ من القربان، تقدمه الفتياتُ لإلهتهن ميليتا وكان يُعْتَقَد أن هذا الضرب من العبادة، أو القربان من أحب العبادات والقرابين إلى الإلهة، وأنه مصدرُ خير وبركة للفتاة.

(وقال وافي) : ولهذا التقليد البابلي أشباهٌ ونظائرُ في كثيرمن بلاد اليونان في عصورها القديمةوخاصة في بعض مناطق في جزيرة قبرص، وبيبلوس، وقورنثة، وأثينة، ففي قبرص كان يجب على العذارى أن يذهبن إلى ساحل البحر في أيام معلوماتليقدمن بكارتهن قربانا للإلهة أفروديت. وفي معبد الإلهة أفروديت بقورنثة كانيوجد عدد كبير من النسوة، يزاولن البغاء المقدس. وتروي الأساطير اليونانية أنبعض مدن اليونان كانت إذا اشتبكت في حرب ينذر أهلها للإلهة أفروديت أن يخصصوابناتهم للبغاء المقدس في معابدها، إذا أمدتهم بعون منها فخرجوا منتصرين على أعدائهم.

وجرت عادة سُراة اليونان في مملكة أثينا وغيرها أن يخصصوا بعض إمائهم للبغاء فيمعبد من معابد الإلهة أفروديت، على أن يخصص دخلهن من هذه المهنة لصندوق المعبدنفسه. وقد انتشرت هذه الطقوس في مخلتف بلاد اليونان ... وقد أطرى هذه الأعمال كبيرُ مؤرخيهم سترابون وعدَّهامشروعات وطنية جليلة؛ لأنها على حد قوله: تجذب الأجانب للبلاد (أي: السواح) ، فينفقون فيهاأموالهم، فتنتعش بذلك اقتصادياتها، ويعمها الرخاء، ويزداد دخلهاالقومي.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت