فهرس الكتاب

الصفحة 2716 من 28557

نقول: مسألة التقسيم الباب فيها واسع؛ لأن الأمر لم يرد بدليل صريح في التقسيم، وإنما هو لتسهيل الدراسة وتوضيح المسائل، ولوجود من يخالف من أهل البدع فيحذّر منه، و تُبََيَّن المعاني تفصيلًا.

توحيد الربوبية

معنى توحيد الربوبية: الإيمان بانفراد الرب -سبحانه وتعالى- بكل معاني الربوبية، فالإيمان بالله -عز وجل- ربًا هو اعتقاد أن الله -عز وجل- منفرد بمعان ثلاثة أساسية:

الأول: الخلق والرزق والتدبير.

الثاني: المِلك والمُلك التام.

الثالث: الأمر والنهي والسيادة.

* المعنى الأول: أنه -عز وجل- المنفرد بالخلق والرزق والتدبير والإحياء والإماتة والضر والنفع والخفض والرفع والعطاء والمنع، وهذه أفعال الله -عز وجل-، فهو سبحانه وحده الذي يخلق، وهو وحده الذي يرزق، وهو وحده الذي يُحيي، وهو وحده الذي يُميت، وهو وحده -سبحانه وتعالى-الذي يُعطي ويمنع، وهو وحده الذي يضر وينفع، كما قال -عز وجل-: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ(31) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (يونس: 31 - 32) .

فهاتان الآيتان فيهما الاستدلال بتوحيد الربوبية على وجوب التقوى، أي على توحيد الألوهية، (فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ) (يونس: من الآية31) أي أفلا تتقون الشرك، أفلا تتقون عبادة غيره وهو وحده الذي يرزقكم من السماء والأرض، وهذا النوع من الاستدلال أكثر أنواع الاستدلال في القرآن استعمالًا، كما قال -عز وجل-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:21) ، وكما قال -عز وجل-: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ(59) أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أإله مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) (النمل: 59 - 60) .

فذكر -عز وجل- معاني الربوبية، استدلالًا على توحيد الألوهية فقال: (أءلَهٌ مَعَ اللَّهِ) ، فإذا كان الله وحده الذي يفعل هذا فكيف تعبدون معه آلهة أخرى؟ فهو وحده لا شريك له الذي خلق السموات والأرض، وهو وحده الذي أنزل لكم من السماء ماء فأنبت به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها.

فهذا المعنى من معاني الربوبية أساس في عقيدة كل مؤمن، وأنواع مخالفته والشرك المتعلق به منتشرة بين أهل الشرك، فمن يعتقد أن مع الله -عز وجل- من يخلق أو يرزق، أو أن معه من يحيي أو يميت أو يضر أو ينفع أو يعطي أو يمنع، أو يدبر الأمر فهو مشرك بالله -عز وجل- في ربوبيته.

وهذا النوع من التوحيد مرتبط بالاعتقاد، فهو توحيد اعتقادي خبري مثله مثل توحيد الأسماء والصفات، فنعتقد أن لله صفة السمع وأنه السميع البصير وأنه القدير والعليم والعظيم وغير ذلك من أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وهنا في هذا الباب نعتقد أنه يفعل: يدبر الأمر -سبحانه وتعالى-، يخلق ويرزق يضر وينفع، فلو اعتقد الإنسان أن مع الله -عز وجل- من يخلق، كالمجوس مثلًا الذين يعتقدون أن هناك خالِقَيْنِ، خالقًا للخير وخالقًا للشر، والفراعنة واليونان كان عندهم لكل شيء إله وخالق، يعبدونه في شيء معين لأنه هو الذي يدبره، فهذا من مظاهر الشرك الشنيع، وهكذا الهنود وغيرهم من عباد الأوثان يجعلون خالِقِين متعددين.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت