فهرس الكتاب

الصفحة 27500 من 28557

قوله رحمه الله: ( ... وأصلُ هذا ما قد ذكرتُهُ في غير هذا الموضع: أنَّ المسائل الخبرية قد تكون بمنزلة المسائل العملية، وإن سُمِّيت تلك"مسائل أصول"وهذه"مسائل فروع"فإنَّ هذه تسمية محدثة، قسمها طائفةٌ مِن الفقهاء والمتكلمين، وهو على المتكلمين والأصوليين أغلب، لاسيما إذا تكلموا في مسائل التصويب والتخطئة ... ) انظر مجموع الفتاوى (6/ 56) .

توضيح النص:

لقد استعجل الكثير ممن يقتصون هذا النص ويحتجون به على أنَّ ابن تيمية لا يرى تقسيم الدين إلى أصولٍ وفروع، وعدم مراعاتهم للسياق الذي جاء فيه النص دليلٌ كاف على هذا.

فنقول: إنَّ ابن تيمية يُنكر على مَن يَجعلُ المسائل الخبرية"أصول"والمسائل العمليَّة"فروع"، فهو يُريد القول بأنَّ هناك مِن المسائل العملية تستحق أن تكون أصولًا في الدين، ومِن المسائل الخبرية التي قد تستحق أن تدرج في الفروع إذ الخلاف فيها سائغ، وهذا مفهومٌ في كلام الإمام الموجود في النص المستخرج من سياقه الصحيح، وذلك في قوله: ( ... أنَّ المسائل الخبرية قد تكون بمنزلة المسائل العملية ... ) . فهو إذًا لا يريد نفي أنَّ في الدين أصولًا وفروعًا، وهذا هو ظاهر كلامه ولا حاجة إلى تأويله، حيث قال: (وإن سُمٍّيت تلك"مسائل أصول"... ) فقوله"تلك"يعود على (المسائل الخبرية) ، ثم قال: ( ... وهذه"مسائل فروع"فإنَّ هذه تسمية محدثة، قسمها طائفةٌ مِن الفقهاء والمتكلمين ... ) فقوله"وهذه"يعود على (المسائل العملية) ، فلا إشكال إذًا، فإنَّه يُنكر على مَن يُقسِّم الدين إلى أصول وفروع باعتبار الأصول هي المسائل الخبرية، والفروع هي المسائل العملية.

ويشهد على ذلك أيضًا السياق، فبعدَ النص الذي نقلتُه تكلَّم عن الصواب في إطلاق العبارة، فقال: ( ... بلِ الحقُّ: أنَّ الجليلَ مِن كلِّ واحدٍ مِن الصنفين"مسائل أصول"والدقيقُ"مسائل فروع". فالعلمُ بوجوب الواجبات كمباني الإسلام الخمس وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة، كالعلمِ بأنَّ الله على كلِّ شيءٍ قدير وبكل شيءٍ عليم وأنَّهُ سميعٌ بصير، وأنَّ القرآن كلام الله، ونحو ذلك مِن القضايا الظاهرة المتواترة، ولهذا مَن جحد تلك الأحكام العملية المجمع عليها كفرَ، كما أنَّ مَن جحد هذه كفر) .

ولتوضيح هذا النص أقول: يُبيِّنُ شيخُ الإسلام أنَّ هناك مِن القضايا العملية ما يوازي القضايا الخبرية، ومثَّلَ على ذلك بقوله (فالعلم بوجوب الواجبات كمباني الإسلام ... ) ثم ساوى بينها وبين المسائل الخبرية بقوله: (كالعلمِ بأنَّ الله على كلِّ شيءٍ قدير وبكل شيءٍ عليم وأنَّهُ سميعٌ بصير، وأنَّ القرآن كلام الله ... ) ، وهذا واضحٌ لمن تأمَّلهُ، بخلاف بعض المُتسرعين الذين يقرؤون كلام الأئمة بلا فهم.

ثم يُكمل شيخُ الإسلام رحمه الله كلامهُ، فيقول: (وقد يكونُ الإقرارُ بالأحكام العمليَّة أوجبُ مِن الإقرار بالقضايا القوليَّة، بل هذا هو الغالب ... ) انظر مجموع الفتاوى (6/ 56 إلى 6/ 61) .

وبهذا يتبيَّن أنَّ شيخَ الإسلام لم يُنكر تقسيم الدين إلى أصول وفروع، ولكنَّه أنكر التقسيم عند طائفةٍ مُعيَّنة، لتضمن ذلك التقسيم على مفهوم باطل.

(2) النص الثاني:

قوله رحمه الله: ( ... ولم يُفرِّق أحدٌ مِن السلف والأئمة بين أصولٍ وفروعٍ. بل جَعْلُ الدين قسمين أصولًا وفروعًا لم يكن معروفًا في الصحابة والتابعين، ولم يقل أحدٌ مِن السلف والصحابة والتابعين أنَّ المجتهد الذي استفرغ وسعه في طلب الحق يأثم، لا في الأصول ولا في الفروع، ولكن هذا التفريق ظهر مِن جهة المعتزلة، وأدخلهُ في أصول الفقه مَن نقلَ ذلك عنهم، وحكوا عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنَّه قال: كل مجتهد مصيب، ومُرادُهُ أنَّه لا يأثم. وهذا قول عامة الأئمة كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما) انظر مجموع الفتاوى (13/ 125) .

توضيح النص:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت