بل يقال أشهر الطوائف في هذا النفي الذي ذكره عنده وعند أمثاله الفلاسفة المشاءين، أتباع أرسطو ومن المتقدمين، وكالفارابي وابن سينا ونحوهم من المتأخرين، ومن أقبل الناس بمقالات أرسطو وأصحابه، ومن أكثر الناس عناية بها وقولًا بها وشرحًا لها وبيانًا لما خالفه فيها ابن سينا، وأمثاله منهم القاضي أبو الوليد ابن رشد الحكيم الفيلسوف صاحب البداية حتى انه يرد على من خالفهم، كما صنف كتابه (تهافت التهافت) الذي رد فيه على أبي حامد الغزالي ما رده على الفلاسفة، وإن لم يكن مصيبًا في خالف فيه مقتضى الكتاب والسنة، بل هو مخطئ خطئًا عظيمًا) .. إلى آخره.
واستمر في الكلام على أن هؤلاء الأشعرية المتأخرين ليسوا على مذهب من؟ على مذهب أبي الحسن، ومذهب شيخه أبي عبد الله بن كُلَّاب.
وأيضًا في صفحة مائة وستة وستين نص في هذا، فقال في هذا-في مسألة الجسم-قال: (وذكر كلامًا آخر) نذكره إن شاء الله فيما بعد، عندما يذكره المؤسس يعني: الرازي-صاحب أساس التقديس-، من موافقة بعض المسلمين الفلاسفة في الجسم والنفس وغير ذلك مما يناسبه.
وأما نقل سائر أهل العلم لمذاهب أهل الأرض من المسلمين وغيرهم في هذا الأصل، فهو أعظم من أن يذكر هنا إلا بعضه، وإنما نبهنا على أن أئمة الأشعري الكبار كانوا ينقلون ذلك أيضًا، وأنه لم يخالف في أن الله فوق العالم على العرش إلا الجهمية ومن وافقهم.
وسنذكر إن شاء الله تعالى من احتجاج المثبتة للدعاء ونحوه ما فيه عبرة، وكل من صنف في بيان مذاهب سلف الأمة وأئمتها من أهل العلم في ذلك، فإنه ذكر أن ذلك قولهم جميعًا بلا نزاع.
كما قال الشيخ الحافظ أبي نصر السجزي في كتاب (الإبانة) له، قال: (وأئمتنا كسفيان الثوري ومالك بن أنس وحماد بن زيد وعبد الله بن المبارك) ثم استمر يتكلم في ذلك مبينًا أن الأشعري في هذا والأشعرية إنما هم على مذهب إنعام، وأنهم على ضلالهم يثبتون الجهة، الجهة الأولين منهم فهم خير من الجهمية ومن وافقهم في هذا الباب.
ثم ذكر أيضًا في مائتين وأربعة سبب قصور أبي الحسن الأشعري في معرفته بمذاهب السلف، فإنه قد نص، قال: (ومذهب السنة الذي يحكيه الأشعري في مقالاته عن أهل السنة والحديث، أخذ جملته عن زكريا بن يحيى الساجي الإمام الفقيه عالم البصرة في وقته، وهو أخذه عن أصحاب حماد بن زيد وغيرهم، فيه ألفاظ معروفة من ألفاظ حماد بن زيد كقوله:(يدنو من خلقه كما شاء) ، ثم أخذ الأشعري تمام ذلك عن الإمام أحمد لمَّا قَدِمَ بغداد، وإن كان زكريا بن يحيى وطبقته هم أيضًا من أصحاب أحمدا-رحمه الله-).
وقد ذكر أبو عبد الله بن بطة في إبانته الكبرى، عن زكريا بن يحيى الساجي، جملة مقالات أهل السنة، وهي تشبه ما ذكره الأشعري في مقالاته، وكان السجي شيخ الأشعري الذي أخذ عنه الفقه والحديث والسنة وكذلك ذكر أصحابه.
فغاية ما عنده أخذه مختصرًا مجملًا عمن؟ عن زكريا بن يحيى الساجي، و زكريا بن يحيى الساجي من أئمة الحديث، لكن هذا يدلك على أنه اقتصر عليه فلم يعرف مذاهب أهل السنة مفصلةً.
وأيضًا في مائتين وخمسة نفس الكلام، نص على ذلك، وفي مذهب أيضًا أبي الحسن الأشعري في مائتين وثلاثة وعشرين وأربعة وعشرين، أيضًا بين ذلك-رحمه الله-، قال: (وقد ذكر أبو الحسن الأشعري مقالته، ففي كتابه المقالات مقالة الطائفتين) يعني: في مسألة الجسم والعَرَض والجوهر، ثم قال-رحمه الله-: (فإنه كان أعلم بمقالاتهم، وما نقلوه عن مخالفيهم) .
وقد ذكر أبو الحسن الأشعري في (كتاب المقالات) ، مقالة الطائفتين مع أنه يحكي ذلك كما وجده في كتب المعتزلة، (فإنه كان أعلم بمقالاتهم وما نقلوه عن مخالفيهم من قول غيرهم، لأنه كان منهم وبقي على مذهبهم أربعين سنة، ثم انتقل إلى نحوٍ من مذهب ابن كلَّاب) هذا صفحة مائتين وثلاثة وعشرين ومائتين وأربعة وعشرين، (ثم انتقل إلى نحو من مذهب ابن كُلَّاب وما يقاربه من مذهب أهل السنة والحديث) .
قال: (ولهذا يوجد علمه بمقالات المعتزلة علمًا مفصلًا محكمًا، وأما علمه بمقالات أهل السنة فهو علم بمجمل ذلك التي بلغته عنهم، لا علم بِمُفَصله كعلمه بمقالات المعتزلة) ، ثم تكلم عليه واستمر أيضًا في هذا.
هذه بعض المواطن الذي ذكرها في هذا المجلد، والمجلدات الأخرى له فيها كلام كثير، وكذلك أيضًا في كتابه العظيم (درء تعارض العقل والنقل) الخامس.
(يُتْبَعُ)