المبتدعة فسروا صفات الله بالمجاز، وصرفوا نصوص الصفات عن ظاهرها بالتأويل؛ لأنهم يعتقدون أن إثباتها على الحقيقة يقتضي التشبيه والتجسيم، وذلك لأنهم حكمّوا العقل بدل نصوص الوحي، عقولهم هي التي تحكم أي الصفات تقتضي التشبيه وأيها لا يقتضي التشبيه، فخالفوا السلف الصالح في فهمهم لقوله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)
ـ [محمد داود المصري] ــــــــ [24 - Nov-2010, مساء 11:37] ـ
أسماء الله بين الحقيقة والمجاز
قال أبو عمر بن عبد البر:
أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز , إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة , وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها مشبه وهم عند من أقر بها نافون للمعبود والحق فيها ما قال القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهم أئمة الجماعة وقال: الذي عليه أهل السنة وأئمة الفقه والأثر في هذه المسألة وما أشبهها الإيمان بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها والتصديق بذلك وترك التحديد والكيفية في شيء منه. اهـ
ويقول الإمام ابن القيم:
اختلف النظار في الأسماء التي تطلق على الله وعلى العباد، كالحي والسميع والبصير والعليم والقدير والملك ونحوها.
1.قالت طائفة من المتكلمين: هي حقيقة في العبد مجاز في الرب، وهذا قول غلاة الجهمية وهو أخبث الأقوال وأشدها فسادًا.
2.مقابله وهو أنها حقيقة في الرب مجاز في العبد وهذا قول أبي العباس الناشي.
3.أنها حقيقة فيهما، وهذا قول أهل السنة وهو الصواب؛ واختلاف الحقيقتين فيهما لا يخرجها عن كونها حقيقة فيهما، وللرب تعالى منها ما يليق بجلاله وللعبد منها ما يليق به، وليس هذا موضع التعرض لمأخذ هذه الأقوال وإبطال باطلها وتصحيح صحيحها، فإن الغرض الإشارة إلى أمور ينبغي معرفتها في هذا الباب ولو كان المقصود بسطها لاستدعت سفرين أو أكثر.
فللاسم والصفة من هذا النوع ثلاث اعتبارات:
1.اعتبار من حيث هو مع قطع النظر عن تقييده بالرب تبارك وتعالى أو العبد.
2.اعتباره مضافًا إلى الرب مختصًا به.
3.اعتباره مضافًا إلى العبد مقيدًا به.
فما لزم الاسم لذاته وحقيقته كان ثابتًا للرب والعبد، وللرب منه ما يليق بكماله وللعبد منه ما يليق به. وهذا كاسم السميع الذي يلزمه إدراك المسموعات، والبصير الذي يلزمه رؤية المبصرات والعليم والقدير وسائر الأسماء، فإن شرط صحة إطلاقها حصول معانيها وحقائقها للموصوف بها، فما لزم هذه الأسماء لذاتها فإثباته للرب تعالى لا محذور فيه بوجه، بل ثبتت له على وجه لا يماثله فيه خلقه، ولا يشابههم، فمن نفاه عنه لإطلاقه على المخلوق ألحد في أسمائه وجحد صفات كماله، ومن أثبته له على وجه يماثل فيه خلقه فقد شبهه بخلقه. ومن شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أثبته له على وجه لا يماثل فيه خلقه بل كما يليق بجلاله وعظمته فقد بريء من فرث التشبيه ودم التعطيل، وهذا طريق أهل السنة ...
وما لزم صفة من جهة اختصاصه تعالى بها، فإنه لا يثبت للمخلوق بوجه كعلمه الذي يلزمه القدم والوجوب والإحاطة بكل معلوم وقدرته وإرادته وسائر صفاته، فإن ما يختص به منها لا يمكن إثباته للمخلوق، فإذا أحطت بهذه القاعدة خبرًا وعقلتها كما ينبغي خلصت من الآفتين اللتين هما أصل بلاء المتكلمين: آفة التعطيل، وآفة التشبيه، فإنك إذا وفيت هذا المقام حقه من التصور أثبت لله الأسماء الحسنى والصفات العلى حقيقة فخلصت من التعطيل، ونفيت عنها خصائص المخلوقين ومشابهتهم فخلصت من التشبيه، فتدبر هذا الموضع واجعله جنتك التي ترجع إليها في هذا الباب والله الموفق للصواب.اهـ
وقد اتفق جميع أهل الإثبات على أن الله حي حقيقة عليم حقيقة قدير حقيقة سميع حقيقة بصير حقيقة مريد حقيقة متكلم حقيقة ; حتى المعتزلة النفاة للصفات قالوا: إن الله متكلم حقيقة ; كما قالوا - مع سائر المسلمين - إن الله عليم حقيقة قدير حقيقة ; بل ذهب طائفة منهم كأبي العباس الناشي إلى أن هذه الأسماء حقيقة لله مجاز للخلق. وأما جمهور المعتزلة مع المتكلمة الصفاتية - من الأشعرية الكلابية والكرامية والسالمية وأتباع الأئمة الأربعة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية وأهل الحديث والصوفية - فإنهم يقولون: إن هذه الأسماء حقيقة للخالق سبحانه وتعالى ; وإن كانت تطلق على خلقه حقيقة أيضا. ويقولون: إن له علما حقيقة وقدرة حقيقة وسمعا حقيقة وبصرا حقيقة، وإنما ينكر أن تكون هذه الأسماء حقيقة النفاة من القرامطة الإسماعيلية الباطنية ونحوهم من المتفلسفة الذين ينفون عن الله الأسماء الحسنى ويقولون: ليس بحي ولا عالم ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز ولا موجود ولا معدوم ; فهؤلاء ومن ضاهاهم ينفون أن تكون له حقيقة ثم يقول بعضهم: إن هذه الأسماء لبعض المخلوقات وأنها ليست له حقيقة ولا مجازا وهؤلاء الذين يسميهم المسلمون الملاحدة) اهـ