فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
(فالشارع لا ينظر في الاستطاعة الشرعية إلى مجرد إمكان الفعل بل ينظر إلى لوازم ذلك فإذا كان الفعل ممكنا مع المفسدة الراجحة لم تكن هذه استطاعة شرعية كالذي يقدر أن يحج مع ضرر يلحقه في بدنه أو ماله أو يصلي قائما مع زيادة مرضه أو يصوم الشهرين مع انقطاعه عن معيشته ونحو ذلك، فإن كان الشارع قد اعتبر في المُكنة عدم المفسدة الراجحة فكيف يكلف مع العجز؟) .
قال ابن عابدين: (ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد أنه لابد من معرفة عادات الناس، فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله أو لحدوث ضرورة أو فساد أهل الزمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولا للزم منه المشقة والضرر بالناس ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد ) .
ويقول ابن القيم -رحمه الله-: (ومن قواعد الشرع الكلية أنه لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة) .
ويقول-رحمه الله-:(وأما الرضى بنبيه رسولا: فيتضمن كمال الانقياد له والتسليم المطلق إليه بحيث يكون أولى به من نفسه فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته ولا يحاكم إلا إليه ولا يحكم عليه غيره ولا يرضى بحكم غيره ألبتة لا في شيء من أسماء الرب وصفاته وأفعاله، ولا في شيء من أذواق حقائق الإيمان ومقاماته، ولا في شيء من أحكام ظاهره وباطنه لا يرضى في ذلك بحكم غيره ولا يرضى إلا بحكمه.
فإن عجز عنه كان تحكيمه غيره من باب غذاء المضطر إذا لم يجد ما يقيته إلا من الميتة والدم وأحسن أحواله: أن يكون من باب التراب الذي إنما يتيمم به عند العجز عن استعمال الماء الطهور).
6.ما البديل في حالة غياب القضاة الشرعيين؟
ينبغي أولا أن نعلم أن القضاء نوعان:
يقول ابن تيمية -رحمه الله-:(فالقضاء نوعان:
أحدهما: الحكم عند تَجَاحُد الخَصْمَين، مثل: أن يدعي أحدهما أمرًا يكذبه الآخر فيه فيحكم فيه بالبينة ونحوها.
والثاني: ما لا يتجاحدان فيه ـ يتصادقان ـ ولكن لا يعلمان ما يستحق كل منهما كتنازعهما في قسم فريضة، أو فيما يجب لكل من الزوجين على الآخر، أو فيما يستحقه كل من الشريكين، ونحو ذلك.
فهذا الباب هو من أبواب الحلال والحرام، فإذا أفتاهما من يرضيان بقوله كفاهما ذلك، ولم يحتاجا إلى من يحكم بينهما، وإنما يحتاجان إلى حاكم عند التجاحد، وذاك إنما يكون في الأغلب مع الفجور، وقد يكون مع النسيان؛ فأما الحلال والحرام فيحتاج إليه كل أحد من بَرٍّ وفاجر، وما يختص بالقضاء لا يحتاج إليه إلا قليل من الأبرار.
ولهذا لما أمَّرَ أبو بكر عمرَ أن يقضي بين الناس، مكث حَوْلًا لم يتحاكم اثنان في شيء).
قال القرطبي -رحمه الله-: (قال مالك -رحمه الله-: إذا حكّم رجل رجلا فحكمه ماضٍ، وإن رُفع إلى قاضٍ أمضاه، إلا أن يكون جورا بينا. وقال سحنون: يمضيه إن رآه صوابا، قال ابن العربي: وذلك في الأموال والحقوق التي تختص بالطالب، فأما الحدود فلا يحكم فيها إلا السلطان؛ والضابط: أن كل حق اختص به الخصمان جاز التحكيم فيه ونفذ تحكيم المحكم فيه، وتحقيقه: أن التحكيم بين الناس إنما هو حقهم لا حق الحاكم وقال الشافعي وغيره: التحكيم جائز وإنما هو فتوى) .
وقال-رحمه الله-: (لأنه إذا أفتى وحكم وقضى وفصل بين الحلال والحرام، والفرض والندب والصحة والفساد فجميع ذلك أمانة تؤدى وحكم يقضى) .
فإن تعذر القضاء في حالة التجاحد وإعراض الخصم عن التحاكم للشرع أي بالمعنى الأول للقضاء على وجهه الشرعي وكان حكمه حكم الضرورة كما بينا في التحاكم إلى القوانين الوضعية بالشروط السابقة، فلن يتعذر القضاء بالمعنى الثاني أي الفتوى لوجود أهلها في حالة عدم التجاحد وقبول الشرع من أهل الإيمان.
والخلاصة: أن المسلم إذا دعي لحكم الله أذعن ورضي، وإذا كان النزاع بينه وبين أخ له دعاه للتحاكم لشرع الله، وليجعلوا بينهما عالما يرضون علمه وتقواه، فإذا حكم بحكم رضيا حكمه، فإذا كانت الخصومة بينه وبين كافر أو فاجر فليطلب منه حقه الشرعي بعد سؤال أهل العلم عنه، فإن أبى فليبحث عمن يرد له حقه فإن تعذر إلا بالتحاكم فليكن بالشروط التي ذكرناها وليكن على وجل فالخطب ليس بهين، وليسأل في كل خطوة من يثق في علمه وتقواه ولا يظن الأمر هينا، أسأل أن تزول تلك الغمة عن هذه الأمة.
وفي نهاية المقال أُذَكِّر بما بدأت به من أن ذلك مجرد طرق للباب لا تأصيل للمسألة فإن المقام وعر وأهل مكة أعلم بشعابها ولكن حَر المسألة أوجبت على الحُر بيانها والله المستعان وعليه التكلان.
ـ [علي أحمد عبد الباقي] ــــــــ [16 - Nov-2010, مساء 10:53] ـ
يا أخ محمد
موضوع الحاكمية وتحكيم القوانين من المواضيع الشائكة والتي يكثر فيها الخوض من صغار طلبة العلم بغير تحرير دقيق، - ولست أعنيك بهذا - لذلك يفضل الرجوع إلى المواضيع القديمة في تلك المسألة وعدم الخوض فيها من جديد وعادة الكلام.
لذلك أغلقنا الموضوع.