وهذا الاستدلال من عجائب الدنيا، ولعلها لم تُسبق إليه، وقد اهتدت إلى هذا العمى وعميت عن النور الذي جاء في قول الله عز وجل: (ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وابونا شيخ كبير * فسقى لهما ثم تولى إلى الظل) ، فهذه القصة في الأمم السابقة فيها أن امرأتين اضطرتا لشيخوخة أبيهما وعدم قدرته على سقي الغنم مع الرجال اضطرتا إلى الذهاب لسقي غنمهما وانتظرتا فراغ الرجال من سقي أغنامهم تجنبًا لمزاحمتهم ومخالطتهم.
وجاء في الصحيفة نفسها أن صحفيا أضاف أن للاختلاط فوائد عدة، منها أنها تتيح الفرصة للرجل لمعرفة المرأة لطلب الزواج منها خلال ذهابها وإيابها، إلى جانب كسر الكثير من الحواجز التي تكون أحد الأسباب في طمع الشباب وانجذابهم المبالغ للجنس الآخر: (( فتباعد الجنسين أحدهما عن الآخر يقضي بشدة التطلب: تطلب كل منهما لصاحبه وتلهفه عليه ) )!! )) .
ثم نقلت عن اثنين من العلماء هما الإمام ابن القيم والشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمهما الله، واثنين من الأمراء وهما الملك عبد العزيز والملك فهد رحمهما الله كلامًا حسنًا في ذم اختلاط النساء بالرجال ومنعه وبيان خطره، ومما قاله ابن القيم: (( ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك(يعني اختلاط النساء بالرجال) من فساد الدنيا والرعية ـ قبل الدين ـ لكانوا أشد شيء منعًا لذلك ))، ومما قاله شيخنا الشيخ الشنقيطي: (( ودعوى الجهلة السفلة: أن دوام خروج النساء بادية الرؤوس والأعناق والمعاصم والأذرع والسُّوْق ونحو ذلك يذهب إثارة غرائز الرجال؛ لأن كثرة الإمساس تذهب الإحساس. كلام في غاية السقوط والخسة؛ لأن معناه: إشباع الرغبة مما لا يجوز، حتى يزول الأرب بكثرة مزاولته ) )، ومما قاله الملك عبد العزيز: (( أقبح ما هنالك في الأخلاق ما حصل من الفساد في أمر اختلاط النساء بدعوى تهذيبهن وفتح المجال لهن في أعمال لم يُخلقن لها، حتى نبذن وظائفهن الأساسية: من تدبير المنزل، وتربية الأطفال ) )، وأما الملك فهد فسيأتي نص تعميمه في منع تشغيل النساء مختلطات بالرجال في الدوائر الحكومية والشركات وغيرها.
ولم يقف التغريبيون والصحفيون عند الخوض في المسائل الشرعية بغير علم، بل تعدى سوء فعالهم إلى الاعتراض على اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في فتواها رقم (24937) وتاريخ 23/ 11/1431هـ في منع النساء من عمل كاشيرات (محاسبات) في بعض الشركات مع أن هذه اللجنة برئاسة المفتي أعلى مرجع في الفتوى وأعضاؤها من هيئة كبار العلماء، والتغريبيون وغيرهم يعلمون ما وجَّه به خادم الحرمين في أوائل شهر رمضان من هذا العام من قصر الفتوى على هيئة كبار العلماء يضاف إليهم من يرشحهم سماحة المفتي ويوافق عليهم المقام السامي، لكن هؤلاء التغريبيين لا يعجبهم من الفتاوى إلا ما يوافق أهواءهم، وأما ما لا يوافقها فعندهم الاستعداد للاعتراض عليه ولو كان من أعلى جهة معتبرة في الفتوى.
وقد نشرت صحيفة الرياض بتاريخ 1/ 12/1431هـ فتوى قديمة للجنة برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله فيها إباحة البيع والشراء للمرأة عند الحاجة إلى ذلك مع حشمتها وستر جميع بدنها، وهي لا تخالف الفتوى الجديدة؛ لأن الفتوى القديمة فيها الاحتشام كما هو معلوم ومشاهد والجديدة فيها ابتذال واختلاط بالزملاء والرؤساء وغيرهم، وقد صدر بيان من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء حول ما نشر في الصحف عن المرأة بتاريخ 25/ 1/1420هـ برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله وعليه ختمه قبل وفاته بأقل من ثمان وأربعين ساعة؛ حيث توفي فجر الخميس 27/ 1/1420هـ وجلسة اللجنة في ضحى الثلاثاء 25/ 1/1420، وهو بمثابة وصية مودع من ذلك الرجل الفاضل الحريص على سلامة النساء في هذه البلاد من الانحراف، وقد أوردته في رسالة: (( لماذا لا تقود المرأة السيارة في المملكة العربية السعودية؟ ) ) (ص28) ، وهذا نصه:
(( الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد:
(يُتْبَعُ)