التدبير. فتنزيل الكتاب (من الله العزيزالحكيم) هو مظهر للقدرة وموضع للحكمة. وخلق السماوات والأرض وما بينهما متلبسبالحق: (ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق) . . وبالتقدير الدقيق: (وأجل مسمى) تتحقق فيه حكمة الله من خلقه, ويتم فيه ما قدره له من غاية. وكلاالكتابين مفتوح , معروض على الأسماع والأنظار , ينطق بقدرة الله , ويشهدبحكمته , ويشي بتدبيره وتقديره , ويدل كتاب الكون على صدق الكتاب المتلو , وما فيهمنإنذار وتبشير. . (والذين كفروا عما أنذروا معرضون) . . وهذا هو العجب المستنكرفيظل تلك الإشارة إلى الكتاب المنزل والكتاب المنظور! والكتابالمنزل المتلو يقرر أن الله واحد لا يتعدد , وأنه رب كل شيء , بما أنهخالقكل شيء , ومدبر كل شيء , ومقدر كل شيء. وكتاب الكون الحي ينطق بهذه الحقيقةذاتها ; فنظامه وتنسيقه وتناسقه كلها تشهد بوحدانية الصانع المقدر المدبر , الذييصنععلى علم , ويبدع على معرفة , وطابع الصنعة واحد في كل ما يصنع وما يبدع. فأنىيتخذالناس آلهة من دونه ? وماذا صنع هؤلاء الآلهة وماذا أبدعوا ? وهذا هو الكونقائمامعروضا على الأنظار والقلوب ; فماذا لهم فيه ? وأي قسم من أقسامه أنشأوه ? (قل: أرأيتم ما تدعون من دون الله ? أروني ماذا خلقوا من الأرض ? أم لهم شرك فيالسماوات ? ائتوني بكتاب من قبل هذا , أو أثارة من علم , إن كنتم صادقين) . .وهذاتلقين من الله سبحانه لرسوله [ص] ليواجه القوم بشهادة كتاب الكون المفتوح. الكتابالذيلا يقبل الجدل والمغالطة - إلا مراء ومحالا - والذي يخاطب الفطرةبمنطقها , بما بينه وبين الفطرة من صلة ذاتية خفية , يصعب التغلب عليها ومغالطتها.
قُلْأَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَالْأَرْضِأَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِهَذَاأَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (4) وَمَنْ أَضَلُّمِمَّنيَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِالْقِيَامَةِوَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُكَانُوالَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6)
(أروني ماذا خلقوا من الأرض ?) . . ولن يملك إنسان أن يزعم أن تلك المعبودات - سواء كانت حجرا أم شجرا أم جنا أم ملائكة أم غيرها - قد خلقت من الأرض شيئا , أو خلقت في الأرض شيئا. إن منطق الفطرة. منطق الواقع. يصيح في وجه أي ادعاء من هذا القبيل.
(أم لهم شرك في السماوات ?) . . ولن يملك إنسان كذلك أن يزعم أن لتلك المعبودات شركة في خلق السماوات أو في ملكيتها. ونظرة إلى السماوات توقع في القلب الإحساس بعظمة الخالق, والشعور بوحدانيته ; وتنفض عنه الانحرافات والترهات. . والله منزل هذا القرآن يعلم أثر النظر في الكون على قلوب البشر ومن ثم يوجههم إلى كتاب الكون ليتدبروه ويستشهدوه ويستمعوا إلى إيقاعاته المباشرة في القلوب.
ثم يأخذ الطريق على ما قد يطرأ على بعض النفوس من انحراف بعيد. فقد يصل بها هذا الانحراف إلى أن تزعم هذا الزعم أو ذاك بلا حجة ولا دليل. يأخذ عليها الطريق, فيطالبها بالحجة والدليل ; ويعلمها في الوقت ذاته طريقة الاستدلال الصحيح ; ويأخذها بالمنهج السليم في النظر والحكم والتقدير:
(ائتوني بكتاب من قبل هذا , أو أثارة من علم , إن كنتم صادقين) . . فإما كتاب من عند الله صادق. وإما بقية من علم مستيقن ثابت. وكل الكتب المنزلة قبل القرآن تشهد بوحدانية الخالق المبدع المدبر المقدر ; وليس فيها من كتاب يقر خرافة الآلهة المتعددة, أو يقول بأن لها في الأرض خلقا أو في السماوات شركا! وليس هنالك من علم ثابت يؤيد مثل ذلك الزعم المتهافت. وهكذا يواجههم القرآن بشهادة هذا الكون. وهي شهادة حاسمة جازمة. ويأخذ عليهم طريق الادعاء بلا بينة. ويعلمهم منهج البحث الصحيح. في آية واحدة قليلة الكلمات , واسعة المدى , قوية الإيقاع , حاسمة الدليل.
ثم يأخذ بهم إلى نظرة موضوعية في حقيقة هذه الآلهة المدعاة , منددا بضلالهم في اتخاذها , وهي لا تستجيب لهم , ولا تشعر بدعائهم في الدنيا ; ثم هي تخاصمهم يوم القيامة , وتنكر دعواهم في عبادتها:
(يُتْبَعُ)