الذي لا يقاوم. وكانت وسيلة من وسائل مقاومة الدعوة الجديدة التي تهددهم في مراكزهم الاجتماعية وأوضاعهم الاقتصادية , وتجردهم من الأوهام والخرافات الاعتقادية التي تقوم عليها تلك المراكز وهذه الأوضاع. ولقد كانوا يعقدون المؤتمرات لتدبير المؤامرات المحبوكة , ويتفقون فيها على مثل هذه الوسيلة وهم يعلمون كذبهم فيها عن يقين:
روى ابن إسحاق أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش - وكان ذا سن فيهم - وقد حضر الموسم - موسم الحج - فقال لهم: يا معشر قريش: إنه قد حضر هذا الموسم , وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه , وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا , فأجمعوا فيه رأيا واحدا , ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا , ويرد قولكم بعضه بعضا. قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس, فقل وأقم لنا رأيا نقول به. قال: بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا: نقول كاهن. قال لا والله ما هو بكاهن. لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه قالوا: فنقول: إنه مجنون قال: ما هو بمجنون , لقد رأينا الجنون وعرفناه , فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. قالوا: فنقول شاعر قال: ما هو بشاعر , لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه , فما هو بالشعر. قالوا: فنقول ساحر. قال ما هو بساحر , لقد رأينا السحار وسحرهم , فما هو بنفثهم ولا عقدهم. قالوا: فما تقول يا أبا عبد شمس ? قال: والله إن لقوله طلاوة , وإن أصله لعذق , وإن فرعه لجناة وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل , وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر جاء يقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه , وبين المرء وأخيه , وبين المرء وزوجه , وبين المرء وعشيرته. . فتفرقوا عنه بذلك. فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم , لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه , وذكروا لهم أمره.
فهذا مثل من الكيد والتدبير يشي بحيرة القوم في المؤامرات ضد رسول الله [ص] ومعرفتهم بحقيقته في الوقت ذاته. فما كان اتخاذهم إياه هزوا , وقولهم ساخرين: (أهذا الذي بعث الله رسولا ?) بصورة الاستغراب والاستنكار والزراية إلا طرفا من تلك المؤامرات المدبرة لا ينبعث عن حقيقة شعورية في نفوسهم , إنما يتخذ وسيلة للحط من قدره في أعين الجماهير , التي يحرص سادة قريش على استبقائها تحت وصايتهم الدينية , استبقاء للمراكز الاجتماعية والأوضاع الاقتصادية التي يتمتعون بها في ظل تلك الوصاية! شأن قريش في هذا شأن أعداء دعوات الحق ودعاتها في كل زمان وفي كل مكان.
وبينما كانوا يظهرون الهزء والاستخفاف كانت أقوالهم ذاتها تشي بمقدار ما في نفوسهم من شخصه ومن حجته ومن القرآن الذي جاء به , فيقولون: (إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها) . .
إِنكَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَيَعْلَمُونَحِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (42) أَرَأَيْتَ مَنِاتَّخَذَإِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43)
فلقد زلزل قلوبهم إذن باعترافهم حتى كادوا يتركون آلهتم وعبادتهم - على شدة حرصهم على استبقاء ديانتهم وما وراءها من مراكز ومغانم - لولا أنهم قاوموا تأثرهم به وصبروا على آلهتهم! والصبر لا يكون إلا على المقاومة العنيفة للجاذبية العنيفة. وهم يسمون الهداية إضلالا لسوء تقديرهم للحقائق وتقويمهم للقيم. ولكنهم لا يملكون إخفاء الزلزلة التي أصابت قلوبهم من دعوة محمد [ص] وشخصيته والقرآن الذي معه حتى وهم يتظاهرون بالاستخفاف بشخصه ودعوته, إصرارا وعنادا. ومن ثم يعاجلهم بالتهديد المجمل الرهيب:
(وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا) . .
فيعلمون إن كان ما جاءهم به هو الهدى أو أنه هو الضلال. ولكن حين لا ينفع العلم, حين يرون العذاب. سواء أكان ذلك في الدنيا كما ذاقوا يوم بدر, أم كان في الآخرة كما يذوقون يوم الحساب.
ويلتفت بالخطاب إلى رسول الله [ص] يعزيه عن عنادهم وجموحهم واستهزائهم, فهو لم يقصر في الدعوة, ولم يقصر في الحجة, ولم يستحق ما لاقوه به من التطاول, إنما العلة فيهم أنفسهم. فهم يجعلون من هواهم إلها يعبدونه, ولا يرجعون إلى حجة أو برهان. وماذا يملك الرسول لمن يتخذ إلهه هواه:
(يُتْبَعُ)