فهرس الكتاب

الصفحة 28111 من 28557

(أرأيت من اتخذ إلهه هواه. أفأنت تكون عليه وكيلا ?) . . وهو تعبير عجيب يرسم نموذجا عميقا لحالة نفسية بارزة , حين تنفلت النفس من كل المعايير الثابتة والمقاييس المعلومة , والموازين المضبوطة , وتخضع لهواها , وتحكم شهواتها وتتعبد ذاتها , فلا تخضع لميزان , ولا تعترف بحد , ولا تقتنع بمنطق , متى اعترض هواها الطاغي الذي جعلت منه إلها يعبد ويطاع. والله - سبحانه - يخاطب عبده في رفق ومودة وإيناس في أمر هذا النموذج من الناس (أرأيت ?) ويرسم له هذه الصورة الناطقة المعبرة عن ذلك النموذج الذي لا جدوى من المنطق معه , ولا وزن للحجة , ولا قيمة للحقيقة ; ليطيب خاطره من مرارة الإخفاق في هدايته. فهو غير قابل للهدى , وغير صالح لأن يتوكل الرسول بأمره , ولا أن يحفل بشأنه: (أفأنت تكون عليه وكيلا ?) . .

ثم يخطو خطوة أخرى في تحقير هؤلاء الذين يتعبدون هواهم , ويحكمون شهواتهم , ويتنكرون للحجة والحقيقة , تعبدا لذواتهم وهواها وشهواتها. يخطو خطوة أخرى فيسويهم بالأنعام التي لا تسمع ولا تعقل. ثم يخطو الخطوة الأخيرة فيدحرجهم من مكانة الأنعام إلى درك أسفل و أحط:

(أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ? إن هم إلا كالأنعام. بل هم أضل سبيلا) . وفي التعبير تحرز وإنصاف, إذ يذكر (أكثرهم) ولا يعمم, لأن قلة منهم كانت تجنح إلى الهدى, أو تقف عند الحقيقة تتدبرها. فأما الكثرة التي تتخذ من الهوى إلها مطاعا , والتي تتجاهل الدلائل وهي تطرق الأسماع والعقول , فهي كالأنعام. وما يفرق الإنسان من البهيمة إلا الاستعداد للتدبر والإدراك , والتكيف وفق ما يتدبر ويدرك من الحقائق عن بصيرة وقصد وإرادة واقتناع , ووقوف عند الحجة والاقتناع. بل إن الإنسان حين يتجرد من خصائصه هذه ليكونن أحط من البهيمة , لأن البهيمة تهتدي بما أودعها الله من استعداد , فتؤدي وظائفها أداء كاملا صحيحا. بينما يهمل الإنسان ما أودعه الله من خصائص , ولا ينتفع بها كما تنتفع البهيمة:

أَمْتَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّاكَالْأَنْعَامِبَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)

(إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا) . . وهكذا يعقب على استهزائهم برسول الله [ص] ذلك التعقيب الذي يخرج المستهزئين من إطار الآدمية في عنف واحتقار ومهانة. وهكذا ينتهي الشوط الثاني في السورة. [4] ( http://majles.alukah.net/#_ftn4)

الهوامش:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت