فهرس الكتاب

الصفحة 28415 من 28557

فالأول: له صفة دينية كفرية، يجري فيه وصف المسيح - عليه السلام -، بصفات الألوهية، والحلول، والتجسد، والأبنية، والصلب، إلى غير ذلك من العقائد التي يضج بها القسس والرهبان في أعياد الميلاد.

والثاني: له صفة دنيوية فسقية، يجري فيها من الاستهتار، والانحطاط البهيمي، ما لا يليق بإنسان، فضلًا عن مؤمن حنيف.

وقد كان نبينا - صلى الله عليه وسلم - شديد التيقظ لهذا الأمر، فحين نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟» قَالُوا: لَا. قَالَ: «هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟» قَالُوا: لَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» [رواه أبو داود] .

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: «من بنى ببلاد المشركين، وصنع نيروزهم ومهرجانهم، حتى يموت حُشر معهم يوم القيامة» [رواه البيهقي في السنن: 9/ 234] . والنيروز والمهرجان من أعياد المشركين المجوس.

وسر هذا الأمر أن بين التشبه الظاهري، والاعتقاد الباطني صلة وثيقة. يقول شيخ الإسلام ابن تيميه - رحمه الله - في كتابه العظيم (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) :"إن الصراط المستقيم هو أمور باطنة في القلب؛ من اعتقادات، وإرادات وغير ذلك، وأمور ظاهرة؛ من أقوال، وأفعال، قد تكون عبادات، وقد تكون أيضًا عادات في الطعام، واللباس، والنكاح، والمسكن والاجتماع، والافتراق، والسفر، والركوب، وغير ذلك. وهذه الأمور الباطنة والظاهرة بينهما ارتباط ومناسبة، فإن ما يقوم بالقلب من الشعور والحال يوجب أمورًا ظاهره، وما يقوم بالظاهر من سائر الأعمال يوجب للقلب شعورًا وأحوالًا."

وقد بعث الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بالحكمة التي هي سنته، وهي الشرعة والمنهاج الذي شرعه له. فكان من هذه الحكمة أن شرع له من الأعمال والأقوال ما يباين سبيل المغضوب عليهم الضالين.

فأمر بمخالفتهم في الهدي الظاهر، وإن لم يظهر لكثير من الخلق في ذلك مفسدة، لأمور: منها أن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسبًا وتشاكلًا بين المتشابهين، يقود إلى موافقة ما، في الأخلاق والأعمال. وهذا أمر محسوس، فإن اللابس لثياب أهل العلم مثلًا يجد من نفسه نوع انضمام إليهم، واللابس لثياب الجند المقاتلة مثلًا يجد من نفسه نوع تخلق بأخلاقهم، ويصير طبعه متقاضيًا لذلك، إلا أن يمنعه مانع"إلى أن قال: (ثم قال - رحمه الله:"ومنها: أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينة ومفارقة، توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال، والانعطاف على أهل الهدى والرضوان، وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين، وأعداءه الخاسرين. وكلما كان القلب أتم حياه وأعرف بالإسلام الذي هو الإسلام، لست أعني مجرد التوسم به ظاهرًا أو باطنًا بمجرد الاعتقادات من حيث الجملة، كان إحساسه بمفارقة اليهود والنصارى باطنًا وظاهرًا أتم، وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد ومنها: أن مشاركتهم في الهدي الظاهر توجب الاختلاط الظاهر، حتى يرتفع التميز ظاهرًا، بين المهديين المرضيين، وبين المغضوب عليهم والضالين، إلى غير ذلك من الأسباب الحِكمية هذا إذا لم يكن ذلك الهدي الظاهر إلا مباحًا محضًا لو تجرد عن مشابهتهم، فأما إن كان من موجَبَات كفرهم كان شعبة من شعب الكفر. فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع معاصيهم. فهذا أصل ينبغي أن يتفطن له"1/ 80 - 82."

ولا يدرك هذه المعاني إلا القلب الحساس بالإيمان، والشعور المرهف بالتوحيد. أما أصحاب التدين التقليدي، والإيمان البليد، فلا يرفعون بذلك رأسًا، ولا يرون بالتشبه بأسًا، فتراهم يتبادلون التهاني، ويظهرون الفرح والمرح في تلك الأعياد دون أدنى حرج.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت