فهرس الكتاب

الصفحة 2887 من 28557

هذه الذهنية التحريمية وتلك الآراء الجامدة المتشددة الصادرة عن رموز الحركة، في حاجة إلى دراسات ومراجعات علمية جادة، لمعرفة منطلقاتها، وتحليل رؤاها، ونقد منهجيتها، فالانتساب إلى السلف الصالح رتبة عالية، لابد لها من دراية ورعاية.

الأسس الفكرية للحركة السلفية

إن هناك شيوعا لأنواع عديدة من الطقوس اختلطت بالفكر السلفي الحديث وتم لصقها بالإسلام، وهناك أيضا مواد مهمة انتُقصت من الإسلام الأول المتكامل فشوهت صورته.

ويمكن تلخيص المحاور التي يقوم عليها المنهج السلفي المعاصر - فكرا وتطبيقا - في:

1 -تضخُّم الاحتفال بالمندوبات، وتضاؤل الاهتمام بالوجبات وفرائض الوقت، ومن ثم حدث انقلاب مدوٍّ في فقه مراتب الأعمال، فقد انقلب سُلم الأولويات رأسا على عقب، ووقع تضخيم وتقزيم بغير حق، فقد يهتاج المرء (مثلًا) لسماع الموسيقى - رغم اختلاف حكم الفقهاء فيها - لكن ضميره لا يهتز لجرائم من نوعية شهادة الزور، وتزوير الانتخابات.

في كل من أمور الدين والدنيا، هناك أولويات أحق بالرعاية والتقديم، فهناك أولويات في العلم - إذ ليس العلم رتبةً واحدة - وهناك أولويات في الأمر بالمعروف، وأولويات في مجال النهي، وهناك أولويات في مجال الإصلاح والتقويم، والخلل في ترتيب تلك الأولويات له نتائجه المدمرة.

2 -حشو العقول بالمتون، وحفظ الشروح، واستيعاب الهوامش، والاستغراق في فقه الفروع، وهذا نتيجة طبيعية لانقلاب سُلم الأولويات، مع العلم أن هذا الاستغراق في الفروع لا يلبي حاجات الإسلام والمسلمين في العصر الحاضر، ولا يجيب على الأسئلة الكبيرة والخطيرة التي تواجه المجتمعات الإسلامية اليوم. فلا سبيل إلى فقه واقع الأمة بغير إحكام أمر الأدوات اللازمة، أعني الأدمغة الكبيرة، والأجهزة والمؤسسات، مع منهج علمي في التوثيق والتحقيق، يقوم على الاستيعاب والتحليل والتأمل.

لقد انخدع الناس بتلك السلعة، لأنهم أوهموهم أنهم يشرحون لهم أصول الدين وشُعب الإيمان، والأمر لا يعدو ثانويات الفروع التي لا صلة لها بعقيدة أو نهضة. فإذا استغرقتنا تلك الثانويات والشكليات، فماذا بقي لفقه النفس، وعلم التربية، وفقه التمكين في الأرض؟.

إن شَغل الناس بغير قضاياهم الإيمانية والمصيرية، نوع من التغييب الذي يكرس خطاب التخلف، ويُعين العدو على هزيمتنا.

3 -الضغط على حرية الآخرين، مع إعطاء الذات حق الوصاية على الجميع، فالكل يجب أن"يدين"بالفقه السلفي الحديث وتطبيقاته.

وفي سبيل ذلك ربما استباح البعض عرض العلماء المخالفين وربما دماءهم، فحين أفتى الشيخ عائض القرني - وهو داعية عُرف بالدماثة والاعتدال، وركز في طرحه على الجانب التربوي النفسي - بعدم وجوب النقاب - تمشيا مع آراء أئمة الفقه الأربعة وكبار المفسرين - أهالوا عليه التراب واستباحوه، كما استباحوا من قبل الشيخ محمد الغزالي، والدكتور يوسف القرضاوي، وغيرهما، لمجرد مخالفتهم منهجهم ونقدهم أفكارهم.

يقول عائض القرني في قصيدة اعتزاله الشهيرة، واصفا هؤلاء:

إذا أجبنا على الجوال أمطرَنا بالسبِّ مَنْ كان نُغليه ويغلينا

وإن أبينا أتتنا من رسائله مثل السعير على الرمضاء تشوينا

قلنا لهم: هذه الأشياءُ حللها أبو حنيفة بل سُقنا البراهينا

قالوا: خرقتَ لنا الإجماع في شُبَهٍ مِن رأيك الفجِّ بالنكراءِ تأتينا!

لقد دخلت الحركة السلفية في صراعات كبيرة، والأسباب الأساسية لديناميات الصراع الهدامة تتركز حول المفاهيم الفكرية والقيم الأخلاقية لأطراف الصراع، فتميل الصراعات - بسبب التصورات الفكرية المفرطة - إلى الصعوبة والاستمرار، فهي تكون صعبة الحل طويلة البقاء؛ لأن التصورات الدينية ومعايير القيم ليس من السهل تغييرهما، بالإضافة إلى امتلاك كل خصم معايير مختلفة عن ما هو حق، فالتصورات - حسب معايير كل بيئة - تكون مستقرة تماما، كأنها الحق المطلق، ومن ثم فإن أصحابها يظنون أنهم أوصياء على الكل، ويعارضون التفاوض أو التسوية.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت