فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وهذا سببه الأول"الحرمان من الغذاء الفكري الصحي المنوع"والاكتفاء بغذاء ضعيف أو فاسد، لا يحوي المواد اللازمة لنمو العقل وتجديد ملكاته، مع السطحية والتهويل، وادعاء الإجماع في أمور الفقه الخلافية، ومن ثم فقد نقلوا معارك الفقه من أرض الجزيرة العربية، إلى أوربا وأمريكا، فهناك ضمائم رهيبة ألصقوها بأركان الإسلام الخمسة، منها الزي العربي وطريقة الأكل، مع تحريم قاطع للموسيقى والتصوير وغير ذلك، وهذا يناقض"قواعد الفقه الإسلامي"التي تنص على أن"الأمر المختلَف فيه، لا يُدعَى إليه"هذا ما قاله الإمام السيوطي في كتابه الأشباه والنظائر.
لقد أمسى تشديد النكير على العامة وكل المخالفين وتأثيمهم سمة بارزة في منهجهم، والمفروض أن تكون علاقة الدعاة بالمدعوين علاقة"عون ومساعدة"لا علاقة طرد وتفسيق وتأثيم.
4 -تجزيء الإسلام، وعدم إحاطته من جميع جوانبه، والخلل في ترتيب الأولويات، وتضخيم أشياء على حساب أخرى لا تقل عنها أهمية. فقد كانت مقاومة الأضرحة والمقامات، وسحق كل من يتوسل بالأولياء ودمغه بالشرك، شيئا بارزا في الفكر الوهابي، بل كانت من الأولويات، فقد ضخموا هذه الممارسات واعتبروها فيصلا بين الحق والباطل والشرك والتوحيد، وهذه الأفكار عَدتها المراجع الوهابية بمثابة أهداف قامت الحركة الوهابية من أجلها، ويظهر من هذه الأفكار مدى بعدها عن السياسة والإصلاح والنهوض بالأمة، أو تربية الناس ورعايتهم والرأفة بهم.
جاء هذا بالتزامن مع فكرة الطاعة المطلقة للإمام في الفكر السياسي السلفي، بغض النظر عن تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة أو الالتزام بالقانون، مع تهميش دور الأمة في عملية الرقابة والإصلاح الاجتماعي أو المعارضة السياسية، فأصبح الإسلام في خدمة السلطان وليس العكس!!.
إن معادلة المسلمين الصعبة اليوم، تكمن في عدم قدرتهم على الارتفاع بخطابهم ودعوتهم إلى مستوى إسلامهم وعصرهم وعالميتهم، وبدلًا من أن يكونوا شهداء وحُجة للإسلام، أمسوا حجة على الإسلام البريء.
إن ربعي بن عامر لم يتخرج من جامعة؛ لكنه علمنا كيف ننشر فطرة الإسلام الصحيحة لدى الغير، فهو يحدث قائد الفرس عن مفاصل الإسلام الإيمانية والأخلاقية، يقول:"إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سَعَة الآخرة".
كان خطابُه سلسبيلا من فقه وحكمة الإسلام، فأقبلت الشعوب عليه وقد كانوا من قبل يجتهدون في البعد عنه، وانعقدت قلوبهم على نصرته وقد كانوا من قبل يجتهدون في الصد عنه.
لقد كانوا أذكياء وهم يقدمون الإسلام للناس على أنه فِكاك لأعناقهم من ضروب الوثنيات الدينية والسياسية والاجتماعية، فأناروا العالم بعد ظلمَة، وسوّوا بين الأمم بعد أن بذروا في الأرض أصول العدالة والمرحمة، والواجب هو كيف نتعلم منهم تلك الحكمة وذلك العمق، حتى يحق لنا الانتماء إليهم.
5 -الالتباس الحاد في المرجعية ومصادر الشريعة، فالهيام في التاريخ القديم، وتقديس التاريخ والأشخاص، أدى بالضرورة إلى اختلاط مصادر التشريع، مما أدى إلى ظهور حُجب كثيفة على القدرة العقلية، وتعطيل النظرة الشاملة والعميقة لحاجاتنا ومشكلاتنا، فالإسراف في تقدير التاريخ والأشخاص، يجعل النتائج مختلة، والفكر مُحمّلا بالمغالاة والشطط.
إن الخلط بين الوحي والأشخاص في المرجعية، لا يقول به عالم، فهو يؤدي إلى داء التجسيد، أي تجسيد المبادئ في أشخاص، والأشخاص -وإن علوا- غير معصومين؛ لأنهم بشر، يجري عليهم - في اجتهادهم وعملهم - تجربة الصواب والخطأ.
والذي يتأمل نصوص الشرع يدرك أن الخلط بين المبادئ والأشخاص من أسوأ الأدواء الفكرية والعملية، فعالم الأفكار هو عالم الرسالة، فإذا ماتت الأفكار وتضخم الأشخاص ماتت الرسالة، لذا قالوا قديما: إن العقول الصغيرة تناقش الأشخاص، والعقول المتوسطة تناقش الأشياء، والعقول الكبيرة تناقش الأفكار.
6 -الإلحاح على النسك والشعائر مع توهين أمور الدنيا والسيادة فيها، حتى بدت الدنيا كأنها تعبير عن الفتنة، فالدين ضد الدنيا، ومن يعمل للدين لا يعمل للدنيا، ومن يعمل للدنيا لا يعمل للدين!!.
(يُتْبَعُ)