فهرس الكتاب

الصفحة 3111 من 28557

بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم .. ]"سورة المائدة 51". لا سيما حينما نكون في حالة حرب واغتصاب لمقدرات الأمة وإحاطة بها كإحاطة السوار بالمعصم، فحينما تصل الأمة إلى هذا الحد فعليها أن تحافظ على هذه المفاهيم، وأن تورثها للأجيال القادمة.

فإذا كنا لا نستطيع أن نقدم شيئا لديننا في عالم القوة المادية فلا أقل من أن نحافظ على نقائه وصفائه، ونورثه نقيًا متكاملًا للجيل القادم فعسى أن يفتح الله على أبنائنا فيما فشلنا نحن فيه. أما أن ننكسر على مستوى المفاهيم فهذه خيانة عظمى للإسلام وللحقيقة المجردة.

لكن من ناحية السلوك العملي فنحن نفرق بين الولاء والمداراة، فالتسامح موجود للمسلمين ولغيرهم، والمداراة يلجأ إليها الناس حينما يكونون في حالة ضعف وانكسار، وطبيعي حينما أكون ضعيفا ومنكسرا ألا تطلب مني أن أتصرف باعتباري قويا ومتمكنًا. وعندما تكون الأمور على هذا النحو فمنطق التسامح والتآلف وارد، ومنطق الدعوة والاستماتة في الدفاع عن قضية السلام وفي بسط حججه وفي دحض شبهات وأباطيل خصومه وارد وهام.

وعموما فإن علاقتنا بالغرب وبغير المسلمين علاقة دعوة وعلاقة بلاغ، ونحن أمة دعوة ورسالة، ونحن أصحاب الدين الذي ارتضاه الله لعباده، وقد نسخت الأديان كلها، ونحن نمسك بأيدنا المصحف الذي حماه الله من التحريف والتبديل، على حين حرفت الكتب السماوية كلها، فلم يبق على الأرض وحي معصوم إلا القرآن والسنة. ولم يبق دين يقبله الله ويرتضيه لعباده إلا الإسلام، فبقدر جسامة هذا الموقع وهذه المسئولية ينبغي أن تكون أمانة الدعوة، وأمانة البلاغ مع المحافظة على عقيدة الولاء والبراء حتى لا تنكسر هذه الأمة على ما فيها من انكسار، وحتى لا تذوب هويتها في معترك الأفكار والسياسات.

* ما هي الضوابط الشرعية التي تحكم علاقة المسلمين بغيرهم من المسالمين الذين لا يشنون علينا الحروب؟

** البر والقسط هما أساس العلاقة في التعامل مع المسالمين من غير المسلمين، والله تعالى جعل ذلك قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، فقال سبحانه: [لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين] .

والبر هو أعلى درجات حسن الخلق، ومنه برّ الإنسان لأمّه وأبيه، وقد ندبت إليه الآية الكريمة في التعامل مع المسالمين من غير المسلمين. وقال تعالى: [فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا] ، ومن ذلك كفالة حقوقهم، وحفظ عهودهم، ومواساتهم في مصابهم، وتهنئتهم فيما لم يكن من خصوصيات دينهم من مناسبات اجتماعية، وإقامة العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتبادل الخبرات في مختلف مناحي الحياة، وغيره.

ومن صور البر القسط وقوع التعاون المثمر والعادل مع غير المسلمين في كل ما يمثل مصلحة مشتركة للفريقين، لحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن حلف الفضول وكان ذلك في الجاهلية، حيث اجتمع رؤساء قريش وزعماؤها وتعاهدوا فيما بينهم على: مساعدة الضعيف، وإغاثة الملهوف، ومساعدة المحتاج، ولقد حضره رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ وقال في الإسلام بعد ذلك: (لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حِلفًا ما أحبّ أنّ لي به حُمر النِّعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت) .

ومن معالم العلاقة مع الغرب خاصة، أو مع غير المسلمين بصفة عامة، تعظيم ما يعقد معهم من عقود الأمان والتي تمثلها المعاهدات والاتفاقات الدولية المعاصرة على مستوى الدول، أو تأشيرات الدخول والاستقدام على مستوى الأفراد.

فالأمان هو عهد بالسلامة من الأذى، ويعرفه الفقهاء بأنه عقد بين المسلم وغير المسلم على الحصانة من لحوق الضرر من كل منهما إلى الآخر، سواء منه أو ممن وراءه، إلا بحقه، ومثله الجوار، وقد عنون البخاري في صحيحه فقال: (باب أمان النساء وجوارهن) فإذا أعطي الأمان أهل الحرب حرم قتلهم ومالهم والتعرض لهم.

والعقود التي تفيد الأمان ثلاثة: الأمان، والهدنة، والذمة. فإن تعلق الأمان بعدد محصور فذلك الأمان، وإن كان إلى غاية فتلك هدنة، وإن كان مؤبدا فهذه هي الذمة، والهدنة والذمة من أعمال السيادة التي تفوض إلى السلطة العامة، بخلاف الأمان فإنه حق لهذه السلطة ولكل مسلم بالغ عاقل.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت