* وما هي الضوابط الشرعية لقتال المحاربين من غير المسلمين؟
** القتال في الإسلام إنما يكون لدرء الحرابة وكف العدوان، وليس للإكراه على الدين سواء أكانت الحرابة واقعة بالفعل، وهو ما يسمى بجهاد الدفع، أو متوقعة ولاحت نذرها بدلائل قوية وبينات يقينية وهذا هو جهاد الطلب.
فحروبه صلى الله عليه وسلم كلها لم تخرج عن ذلك لمن تدبر السيرة وأمعن النظر في حروبه وغزواته صلى الله عليه وسلم. وهذا هو الذي عليه جمهور الفقهاء في هذه المسألة، والأصل في ذلك ببساطة أنه لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي، وأن هذه الأمة أمة هداية، وليست أمة بغي وحرابة، ولهذا كان نهيه صلى الله عليه وسلم عن قتل من لا يتأتى منه القتال كالنساء والذرية الضعفاء ونحوهم.
ولا تستباح الدماء خارج دار الإسلام إلا في الحرب المشروعة التي تكون لدفع العدوان، العدوان على بلاد الإسلام، أو العدوان على الإسلام نفسه، بفتنة الناس عنه، أو صدهم عن سبيله، ووضع المعوقات في طريقه، ومصادرة حق البشر في اختياره، قال تعالى: [وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين] ، وقال تعالى: [ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا] .
وفرق بين الحرب المشروعة كما عرفتها مواريثنا الفقهية والتاريخية، والحرب المقدسة كما شاعت في الأوساط الغربية، والتي يراد بها إكراه أهل ملة على الدخول في ملة أخرى عنوة وتحت بارقة السيوف، فإن هذا ما لا يعرف له نظير في ملة الإسلام، انطلاقا من هذا المبدأ القرآني الخالد [لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي] .
ولهذه الحرب المشروعة شرائط وآداب لا تتحقق المشروعية إلا باستيفائها، منها على سبيل المثال: تجنب الغدر، فمن كان بينه وبين قوم ميثاق وجب عليه أن يتم إليهم عهدهم إلى مدتهم، ولا يحل له أن ينكث فيه بحال، وإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم على سواء، وأعلمهم بالمنابذة والمصارمة، والنصوص في ذلك صريحة وقاطعة. قال تعالى: [وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين] . ومعنى قوله تعالى: [فانبذ إليهم على سواء] : أي أعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم، حتى يبقى علمك وعلمهم بأنك حرب لهم وهم حرب لك، وأنه لا عهد بينك وبينهم على السواء، أي تستوي أنت وهم في ذلك.
وأخرج الإمام أحمد وغيره عن سليم بن عامر قال: كان معاوية يسير في أرض الروم وكان بينه وبينهم أمد، فأراد أن يدنوا منهم فإذا انقضى الأمد غزاهم، فإذا شيخ على دابة يقول: الله أكبر، وفاء لا غدرا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كان بينه وبين قوم عهد، فلا يحلن عقدة، ولا يشدها، حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء) ، قال: فبلغ ذلك معاوية، فرجع، وإذا الشيخ عمرو بن عبسة.
ومنها أيضًا تحريم القصد بالعدوان إلى غير المقاتلين، فإن من شريعته صلى الله عليه وسلم أن لا يقصد بالعدوان إلى غير المقاتلين، سواء أكانوا من النساء أو الأطفال أو الشيوخ أو الأجراء أو المنقطعين للعبادة في الصوامع والأديرة ونحوه. والنصوص في ذلك صحيحة وصريحة، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان).
* تختلف فصائل الصحوة الإسلامية في فهم النصوص وفي تنزيل هذه النصوص على الواقع .. ومن هنا تنشأ المشاكل .. كيف يمكن في رأيك الخروج من هذا المأزق الذي يمزق الصحوة وفصائلها؟
** يحدث خلط في التعامل مع النصوص الشرعية بين مناط الاستخلاف ومناط الاستضعاف، فهناك طائفة من النصوص يرتبط تطبيقها بواقع الاستخلاف والقوة، وطائفة أخرى يرتبط تطبيقها بواقع الاستضعاف والغربة. ومثال ذلك الآيات الواردة في باب الصفح والمغفرة والمداراة وتألف المخالف، فما ورد في هذا المقام من آيات أو أحاديث فإنما ترتبط بواقع الاستضعاف والغربة، وما ورد من نصوص في باب الهجر والزجر والغلظة فإنما يرتبط بواقع التمكين والقوة، فإذا حدث خلط فنزلت النصوص التي ترتبط بواقع الاستضعاف على واقع القوة أو العكس فيحدث الخلط ويحدث التشويش.
(يُتْبَعُ)