فهرس الكتاب

الصفحة 3197 من 28557

فمنهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب فيه العدل والإنصاف فيحتاج إلى أن يُبَيَّن للناس - {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} - نظرًا لكثرة من يتكلم في زماننا هذا جَرْحًا وتعديلًا ونقدًا وتقويمًا من دون مراجعة هذا المنهج، فأدى بذلك إلى جرح الآخرين - وخاصة العلماء وطلبة العلم - بدون جارح، وإلى التكلم في أعراضهم، وأعراض المؤمنين محرمة ولحوم العلماء مسمومة.

ولقد ترتب على ذلك الانحراف عن منهج السلف آثار سيئة من غمط الناس واغتيابهم وفشو الفرقة والبغضاء .... إلخ. وواقعنا أكبر دليل على هذا.

ولهذا قبل أن يتكلم الإنسان بكلمة لا بد من مراقبة الله تبارك وتعالى، وليعلم أن كل لفظ يلفظه بلسانه مسجل عليه ومجزي به إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، قال سبحانه {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}

وعلى كل فرد منا قبل أن يتكلم في أي قضية ما: أن يحيط بها من جميع جوانبها، وأن يتثبت كل التثبت امتثالًا لقول الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}

ولهذا فأكثر الناس يكبون في جهنم على مناخرهم بسبب ألسنتهم التي لا تتورع.

ففي الحديث الصحيح الذي رواه معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى اله عليه وآله وسلم قال له: ( ... كُفَّ عليك هذا) - وأشار إلى لسانه - فقال معاذ للنبي صلى الله عليه وسلم: وهل نحن مؤآخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس على وجوههم في النار - أو قال على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم) .

وفي حديث آخر قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة) .

قال العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه (الجواب الكافي) :

( .... ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر ومن النظر المحرم وغير ذلك ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه) (

,صدق رحمه الله فكم من الناس من هو بهذه المثابة.

والواجب على كل إنسان منا قبل أن يصدر أي حكم في فرد أو جماعة لا بد من تذكر بعض الأمور:

الفصل الأول:

ضوابط الحكم على الأفراد والجماعات

1 -التجرّد عن الهوى:

من الأمور المهمة قبل أن يصدر الإنسان حكمه في الآخرين أن يكون متجردًا عن الهوى، من أجل أن يكون التقويم والحكم صوابًا لأن التجرد عن الهوى يجعل المتكلم لا ينسى ما للمتكلم فيه من محاسن.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا)

فالهوى أمر خفي يتسلل إلى قلب المرء بالتدريج حتى يسيطر عليه وهو لا يشعر، ولذلك قال عز وجل لنبيه داود: ( ... وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) فجعل اتباع الهوى ضلالًا عن سبيل الله القويم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه في كتابه (منهاج السنة النبوية) : ( ... وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصم، فلا يستحضر ما لله ولرسوله في ذلك ولا يطلبه ولا يرضى لرضى الله ورسوله ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه، ويكون مع ذلك معه شبهة دين أن الذي يرضى له ويغضب له أنه السنة وأنه الحق وهو الدين فإذا قدر أن الذي معه هو الحق المحض دين الإسلام ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا بل قصد الحمية لنفسه وطائفته أو الرياء ليعظم هو ويثنى عليه أو فعل ذلك شجاعة وطبعًا أو لغرض من الدنيا، لم يكن لله ولم يكن مجاهدًا في سبيل الله، فكيف إذا كان الذي يدعي الحق والسنة هو كنظيره معه حق وباطل وسنة وبدعة ومع خصمه حق وباطل وسنة وبدعة؟) اهـ.

فعُلِم بهذا أن التجرد عن الهوى أصل مهم لمن أراد تقويم الأفراد أو الجماعات.

2 -الخوف من الله سبحانه وتعالى:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت