فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
قال الله عز وجل في وصف المؤمنين: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ) وقال: (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنْ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) وقال: (إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) .
فإذا اتصف المسلم بهذه الصفات العظيمة فإنه لن يقع في الظلم ولن يقع في الغيبة والنميمة - بحجة التقويم والإصلاح - بل إذا قوم شخصًا أو جماعة كان خائفًا أن يقع في الإثم الذي حذّر الله منه حيث قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ)
ففي هذه الآية حرم الله سبحانه وتعالى الغيبة، والغيبة هي: ذكرك أخاك بما يكره، ففي الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتدرون ما الغيبة؟) قالوا: الله ورسوله أعلم قال: (ذكرك أخاك بما يكره) فقيل له: أرأيت إذا كان في أخي ما أقول؟ فقال: (إذا كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) .
ولهذا ذكَّر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين في خطبة حجة الوداع بأن أعراض المسلمين محرمة فقال عليه الصلاة والسلام: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ... ألا هل بلغت؟) فقالوا: نعم. فقال: (اللهم اشهد ... ) الحديث.
ومن أجل ذلك كان سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى يخافون على أنفسهم من الوقوع في الغيبة حتى قال أمير المؤمنين في الحديث أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى - كما في ترجمته من (سير أعلام النبلاء) : أرجوا أن ألقى الله و لا يحاسبني أني اغتبت أحدًا.
وقال: ما اغتبت أحدًا منذ علمت أن الغيبة تضر أهلها.
فقال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى معلقًا على كلامه هذا: (صدق رحمه الله، ومن ينظر في كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس وإنصافه فيمن يضعفه، حتى إنه قال: إذا قلت فلان في حديثه نظر فهو متهم واه وهذا معنى قوله: لا يحاسبني الله أني اغتبت أحدًا. وهذا والله غاية الورع) اهـ.
3 -تقديم حسن الظن:
إذ الأصل هو إحسان الظن بالمسلمين حتى يتبين خلافه بدليل قاطع لا شك فيه، قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ)
ففي هذه الآية المباركة يأمرنا الله عز وجل أن نجتنب كثيرًا من الظن - و لاحظ معي لفظة (كثيرًا) _ لأن بعض هذا الظن الكثير إثم، ثم نهى سبحانه بعد ذلك عن التجسس إشارة إلى أن التجسس لا يقع في الغالب إلا بسبب سوء الظن. والمتدبر لكلام الله عز وجل يجد أنه سبحانه وتعالى بَيَّن هذا الأصل عندما تكلم عمن تكلم في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها فقال سبحانه: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ) ثم أوضح عز وجل أن نقل هذا الكلام والخوض فيه من دون بيّنه من الذنوب العظيمة فقال: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ(15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ)
(يُتْبَعُ)