فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
تكاد دلالة العنوان عليه تكون دلالة مستقلة، فكيف إذا قوبل بما عنون به النصارى بيانهم، والضد يظهر حسنه الضد، ويظهر قبحه أيضًا، ولهذا فقد صاح كثيرٌ من العلماء وطلبة العلم والمثقفين على أصحاب بيان التعايش صيحة واحدة، وبينوا ما فيه من التخاذل المقيت، والاستخذاء المهين، والتحريف لمسائل الدين، وتذليل النفس وتصاغرها مما لا يليق بمسلم يعتز بعقيدته ودينه.
-ومن البدهي إن نظرنا إلى كلمة التعايش التي تصدرت العنوان نظرًا ذهنيًا مجردًا فإنها تشير لزومًا إلى تكافؤ المتعايشين ونديتهم لبعضهم وربما تساويهم أيضًا، فصيغتها صيغة تفاعل التي تدل على المشاركة من الطرفين في أمرٍ ما، كما نقول تقاتل فلان وفلان، وتصافحا، وتسامحا، فلا يُميز أحد الفاعلين عن صاحبه ويُخص بشيء من مناقب الفعل إلا بدليل وقرينة مستقلة، كقوله تعالى: ?فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ? آل عمران13.
-وقد أكد فضيلة الشيخ هذا المعنى وأوضحه في قوله: [وبحكم الاختلاف الحتمي والطبيعي بين الناس فليس أمامهم من خيار غير التعاون في المتفق فيه الذي يفترض أن يتوصل إليه بواسطة حوار بناء أطرافه متكافئة ومتسامحة وبهذا يمكن التعايش بين الناس] ، فهو يقرر أن هذه الأطراف التي يراد لها التعايش -وهم نحن والآخر! - لا بد أن تكون «متكافئة» ، والكفؤ في اللغة هو المثل والنظير، كما قال تعالى: ?وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ? الإخلاص4، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» ، فهل التعايش الذي يريده الشيخ هنا هو تعايش الند لنده، والكفؤ لكفؤه، والمثل لمثله؟ وهل هذا النوع من التعايش هو مما جاء به دين الله عز وجل الذي فيه: ?أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ? ص28، وفيه: ?أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ*مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ? القلم35 - 36،، وفيه: ?أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ? الجاثية21، قال الإمام السعدي -رحمه الله- في هذه الآية: [أي أم حسب المسيؤون المكثرون من الذنوب المقصرون في حقوق ربهم «أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات» بأن قاموا بحقوق ربهم واجتنبوا مساخطه ولم يزالوا مؤثرين رضاه على هوى أنفسهم أي أحسبوا أن يكونوا «سواء» في الدنيا والآخرة ساء ما ظنوا وحسبوا وساء ما حكموا به فإنه حكم يخالف حكمة أحكم الحاكمين وخير العادلين ويناقض العقول السليمة والفطر المستقيمة ويضاد ما نزلت به الكتب وأخبرت به الرسل بل الحكم الواقع القطعي أن المؤمنين العاملين الصالحات لهم النصر والفلاح والسعادة والثواب في العاجل والآجل كل على قدر إحسانه وأن المسيئين لهم الغضب والإهانة والعذاب والشقاء في الدنيا والآخرة] (تفسير السعدي777)
وقال عز وجل: ?أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَ يَسْتَوُونَ? السجدة18، وهذا المعنى أوضح ما يكون في كتاب الله عز وجل، والآيات التي تدل على انتفاء المساواة بين فريق الإيمان وفريق الكفر والخسران «الآخر» أكثر من أن تحصى، بل جعلها الله عز وجل مناقضة للعقول والفطر السيلمة، ومن الإشكالات والمعضلات توضيح الواضحات، فالتعايش الذي يقوم على أساس المساواة والمكافئة منقوض بكتاب الله عز وجل نقضا باتًا، ومرفوض بما جبل الله عليه العباد من التفرقة بين المختلفين رفضًا قاطعًا، فليس بين الفريقين -فريق الهداية وفريق الغواية- تساو ولا تكافؤ لا في العيش ولا في الحقوق ولا في الواجبات بل ولا حتى السير في الطرقات، وأحرى أن لا يكون بينهما تساو في أمر الآخرة وأثناء وبعد الممات.
(يُتْبَعُ)