فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
-ثم جعل فضيلة الشيخ -حسب العنوان- هذا التعايش حقيقة تاريخية، فأين هذا التعايش الذي حصل عبر تاريخ البشرية والذي جاء عن طريق حوار كانت فيه الأطراف متكافئة متسامحة، فهذا كتاب الله عز وجل ينطق بيننا، والذي حدثنا بقصص ضاربة في أعماق أعماق التاريخ - وهوأصدق قيلًا وأحسن حديثًا - يخبرنا خبرًا لا ارتياب فيه، أن العداوة الظاهرة والبغضاء المعلنة لم تزل قائمة مترسخة بين الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وأتباعهم من جهة، وبين مناوئيهم من أقوامهم الكفرة من جهة أخرى، فأين ومتى وكيف عاش أهل الإيمان وأهل الكفر «الآخر» في بقعة على الأرض عيشًا متساويًا متسامحًا لم يغالب أحدهما الآخر ولم يدافع بعضهما بعضا: ?تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ? البقرة253.
فأول الرسل سيدنا نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام الذي بقي في دعوة قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، ما إن دعاهم إلى ربهم وحثهم على التوحيد ونبذ الشرك حتى جاهروا له بالعداوة وحاكوا له المؤامرات وأجمعوا كيدهم وجمعوا شركاءهم للنيل منه وثنيه عما هو عليه من الهدى والحق كما قال عز وجل: ?قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ? الشعراء116، وكما حكى عنه سبحانه وتعالى: ?وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ? يونس71.
ويلخص مسيرة الأنبياء المطردة قصة ورقة بن نوفل عند أول نزول الوحي: [يا ليتني فيها جذعا، يا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم؟ قال: نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا] متفق عليه، وهو موافقٌ لما أخبر الله به في كتابه: ?وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ? إبراهيم13، ولما أخبر الله به عن شعيب وقومه المستكبرين: ?قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ? الأعراف88، وعن قوم لوط: ?وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ? الأعراف82 والآيات في هذا المعنى متعددة.
فأي تعايش هذا الذي سيكون وهو يناقض سننًا كونية راسخة ?فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا? فاطر43، وهو أيضًا يخالف مخالفة تامة «الحقائق التاريخية» ، ويصادم ويصادر قانون التدافع الذي جعله الله تعالى سببًا في صلاح الكون واستقرار الناس بعكس ما يظن البعض ويدعي من أن المسامحة والمسالمة والمعايشة هي التي يستقيم بها أمر الناس وتسكن حياتهم، فقد قال الله تعالى: ?وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ? البقرة251، قال الإمام السعدي -رحمه الله- في هذه الآية: [أي لولا أنه يدفع بمن يقاتل في سبيله كيد الفجار وتكالب الكفار لفسدت الأرض باستيلاء الكفار عليها وإقامتهم شعائر الكفر ومنعهم من عبادة الله تعالى وإظهار دينه «ولكن الله ذو فضل على العالمين» حيث شرع لهم الجهاد الذي فيه سعادتهم والمدافعة عنهم ومكنهم من الأرض بأسباب يعلمونها وأسباب لا يعلمونها] (تفسير
(يُتْبَعُ)