فهرس الكتاب

الصفحة 3303 من 28557

(و إن لمن المؤسف حقًّا أن نضطر إلى الخوض فيما كان الأصل أننا في غنى عن الخوض فيه، إذ إن ردع المبتدع بالبيان واجب حتى لاتتوالى القطرات التي يزخرفها بدعوى الاجتهاد و التجديد فتكون سيلًا على توالي الغفلات، و لو كان هناك سلطان شرعي يقوم على حراسة الدين فيزع الله به ما لا يزع بالقرآن، لما كان لمثل هذا المبتدع من جزاء إلا التعزير و الحجر عليه استصلاحًا للديانة، و أحوال الجماعة المسلمة، فهذا ألزم من الحجر الصحي لاستصلاح الأبدان.

و المبتدع إذا زجر و هجر بات كالثعلب في جحره، أما ترك تحسيسِه ببدعته فهذا تزكية له و تنشيط، و تغرير بالعامة إذ العامي مشتق من العمى، فهو بيد من يقوده غالبًا.

و لعل في هذا تذكرة و إقناعًا للذين ينزعجون لهذه الردود، ويتمنون أن لو صرفت مثل هذه الجهود إلى نواحٍ علمية مجردة من المناقشة و الأخذ والرد، مع أن غالب هؤلاء قد يلتبس عليهم - نتيجة نشاط المبتدعة و إفساح وسائل الإعلام لهم - الحق، فلا يتبينون حقيقة ما اختلف فيه الناس فضلًا عن التمسك به والدعوة إليه، كما أنهم ينسون أن هذه سنة الله التي مضت في خلقه، فما من الناس إلارادٌّ و مردود عليه، فمحقٌّ و مبطل، قال تعالى"وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ")

قال صاحبي: فيرد على الشبهة التي انتشرت من عنده علم بردها ..

قلت: نعم! ليكن لها من يردها من أهل العلم و ليضع نصب عينيه قول ابن تيمية رحمه الله (فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفى بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس، ولا أفاد كلامه العلم واليقين)

قال: فهمت عنك!! فلن أذهب إليهم حيث يتسابقون في قول الباطل و السخرية من الحق!! و أبقى في مكانٍ يحرسه الرقيب المسلم! و إن عرضت شبهة فأرد عليها إن كان عندي علم ...

قلت: إن اضطررتَ.

قال: و ما ذاك أيضًا؟!!

قلت: إن انتشرت شبهة و كان عندك علم يكشفها و يردها فلترد عليها إن لم تجد من يردها غيرك، و ذاك أدب السلف ..

قال عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله (أدركت عشرين و مائة من أصحاب النبي صلي الله عليه و سلم، فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، و لا مفتٍ إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا) .

بل كان أحدهم يقول لرفيقه (ارم بعينك إلي مجلس يكفينا الكلام نجلس فيه) .

قال صاحبي: لكن ما المانع من كثرة الردود عليه؟!

يا صاحبي ..

صمت الملحد خيرٌ له من كلامه، و كثرة الردود عليه خير له من كلامه و صمته.

فإن كان الملحد اختار لنفسه الأسوأ، فكيف نرضى أن نختار له الأفضل؟!!

فإن ردَّ غيرك و كفى فلا ترد! فكثرة الردود تتيح للغويّ الفرصة للبحث عن التناقض الموهوم!! و طول الردود يتيح للضال الفرصة للبحث عن موضع يحيد منه عن المطلوب!! فكيف نرضى أن نختار له الأفضل إن كان اختار لنفسه الأسوأ؟!!

قال: فهمت عنك!!

فلن أذهب إليهم حيث يتسابقون الباطل و السخرية بينهم!! و أبقى في مكان يحرسه الرقيب المسلم! و إن انتشرت شبهة و كان عندي علم يكشفها و يردها فأرد عليها إن لم يردها غيري، و إن ردها غيري و لم يكف رده أضفت ما عندي، و إن ردها و كفى فالصمت حينها خير ما آتي!

قلت: و إن كان لك في نصيحة من أخٍ لأخيه أصابت مخالطة القوم قلبه حتى صار ينظر بعين كأعينهم ...

قال: لقد أصابت مخالطتهم قلبي لقلة علمي، فاسرد النصح سردًا فكُلِّي آذان صاغية ..

قلت: لا تطل الاطلاع على الشبهات و ردودها، و خذ من الردود كما يأخذ المريض من الدواء، و اجمع قلبك بعيدًا عن الشبهات، و أطل البعد عنها قدر المستطاع ..

اطلب العلم، و تعلم دينك فما يكون العلم بالاطلاع على الشبهات و الردود، تعلم عقيدة أهل السنة و الجماعة، تعلم فقه الطهارة و الصلاة و الصيام و الزكاة و الحج، تعلم أحكام النكاح و الجهاد و البيع، تعلم سيرة النبي صلى الله عليه و سلم، تعلم التجويد و اقرأ القرآن ...

تعبد لربك بالليل و الناس نيام، حافظ على الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، عليك بالتطوع المطلق و المقيد، صم النوافل مع رمضان، أكثر من الصدقات، اقرأ القرآن و تدبره ..

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت