فهرس الكتاب

الصفحة 3386 من 28557

قول السرحان أن ابن تيمية لم يقرأ الفلسفة اليونانية في مصادرها الأصلية هذا كلام صحيح وحقيقة تاريخية لاغبار عليها, ولايجوز مكابرتها, ذلك أن المشكلة ليست في هذه الحقيقة التاريخية, وإنما فيما بناه عليها السرحان من اللوازم.

فقد قال شيخ الاسلام في درء التعارض (فإنا نحن لا نعرف لغة اليونان) وهذا أمر مشهور معروف, فليس الرد بمغالطة هذه الحقيقة, وإنما الرد يكون من وجوه:

الوجه الأول:

أن القراءة باللغة الأصلية ليست الطريق الوحيد لتصور الأفكار والمفاهيم والفلسفات, فإن الفلاسفة الألمان كنيتشة وكانت وهايدجر, لم يقرأهم المفكرون البريطانيون والأمريكيون ونحوهم بلغتهم الاصلية, بل قرؤوهم من خلال ترجماتٍ الى الانجليزية, وكذلك الفلاسفة الفرنسيين كديكارت وفولتير وفوكو ودريدا تمت ترجمة أعمالهم الى بقية اللغات الاوروبية, وكذلك الفلسفة اليونانية لم يقرأها الغربيون بلغتها الاغريقية, بل قرؤوها بترجمات الى لغاتهم الانجليزية والفرنسية والالمانية, وكذلك ماكتبه الغربيون عن الفلسفات الشرقية الصينية والهندية لم يقرؤوه بلغاته الاصلية الصينية والهندية بل بترجمات الى لغاتهم.

بل يلزم على كلام السرحان أنه لايجوز له هو أصلًاَ الكلام عن الفلسفة اليونانية طالما أنه لايعرف اللغة الاغريقية! فكيف حكم السرحان على وجود أخطاء في فهم ابن تيمية للفلسفة اليونانية وهو لم يطلع أصلًا على الفلسفة اليونانية في مصادرها الأصلية؟!

الوجه الثاني:

أن السرحان لم يأت بتصور فلسفي واحد يثبت فيه أن ابن تيمية أخطأ في نقل أفكار الفلاسفة اليونانيين, ونقلها نقلًا مشوهًا, فتظل هذه الدعوى المرسلة بلاخطام عيبًا في الباحث السرحان وليس في الامام ابن تيمية.

وجوهر نقد ابن تيمية على المنطق اليوناني كان يدور على ثلاثة محاور: نقد شكلنة العقل (أي الشروط الشكلية للمعرفة العقلية) , ونقد حصر التصورات بالحدود, ونقد حصر التصديقات بالقياس. وهذه المحاور الثلاث كلها مما اتفق المؤرخون على نسبتها للفلاسفة اليونانيين, فأين التشوه المزعوم؟!

الوجه الثالث:

أن الترجمات العربية في أواسط الاسلام والتي عربت الفلسفة اليونانية حاولت تقريبها للمجال التداولي الاسلامي (أي الروح العامة لمناخ التصورات الاسلامية) وذلك عبر صبها في بعض المصطلحات الشرعية المقبولة, أو تخفيف حمولة انحرافاتها, فاذا كانت الصورة المحسَّنة تكشفت عن كل هذه الانحرافات التي ذكرها الامام ابن تيمية فكيف بالصورة الاصلية؟!

وقد أشار الامام ابن تيمية الى هذا المعنى في درء التعارض بقوله:

(وهذا مقام يتبين فيه جهل هؤلاء القوم وضلالهم لكل من تدبر نصوص كلامهم الموجود في كتبهم الذي ينقله أصحابه عنهم, فإنا نحن لا نعرف لغة اليونان, ولم ينقل ذلك عنهم بإسناد يعرف رجاله, ولكن هذا نقْل أئمة أصحابهم الذين يعظمونهم ويذبون عنهم بكل طريق, وقد نقلوا ذلك إلينا وترجموه باللسان العربي, وذكروا أنهم بينوه وأوضحوه وقدروه وقربوه إلى أن تقبله العقول ولا ترده, فكيف إذا أخذ الكلام أولئك على وجهه؟! فإنه يتبين فيه من الجهل بالله أعظم مما يتبين من كلام المحسِّنين له)

فاذا كان هذا حجم الفساد بعد سلسلة التحسينات والعمليات التجميلية واعادة الانتاج فكيف بالصورة الاصلية التي تحدث بها فلاسفة اليونان؟!

ومن المعلوم أن بيان فساد جنس مقالات هؤلاء وأصولهم المشتركة هو غاية مقصود شيخ الاسلام, وليس مقصوده التنقير في الفروق الداخلية لهؤلاء الفلاسفة, فهذا شأن الفلاسفة ومؤرخي الافكار, وليس شأن أئمة الدين وعلماء العقيدة الاسلامية.

ومن المقرر انه ليس من منهجية البحث العلمي محاسبة الاطروحات لغير وظيفتها التي تصدت لها, فما حال السرحان إلا كمن يذم أحد علماء الاسلام في رده على أصول السحر بأنه لم يفهم تفاصيل اجراءات أعمال السحرة وفروقاتهم بلغاتهم الأصلية!

الوجه الرابع:

ان ابن تيمية اعتمد بشكل أساسي على نقل ابن ملكا وابن رشد لعنايتهم بتحرير مقاصد أرسطو, فاذا كانت الصورة التي نقلها ابن تيمية عن المشائية مشوهة, فيلزم على هذا أن الصورة التي تصورها ابن ملكا وابن رشد هي صورة مشوهة أيضًا, فاذا كان أهم فيلسوفين أرسطيين يعانيان من معرفة مشوهة, فمن هو ياترى الذي فهم أرسطو إذًا؟!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت