فهرس الكتاب

الصفحة 3387 من 28557

بل إن الفلسفة الغربية الوسيطة لم تعرف كثيرًا من نصوص أرسطو إلا عبر ترجمات ابن رشد من العربية الى العبرية الى الانجليزية, فيلزم عليه أن الغرب ذاتهم لم يفهموا الفلسفة اليونانية أيضًا.

وخلاصة هذه اللوازم: أنه يلزم على اعتبار اعتماد ابن تيمية على ترجمة ابن ملكا وأرسطو معرفة مشوهة أن الفلاسفة الاسلاميين والفلاسفة الغربيين كلهم يحملون عن ارسطو معرفة مشوهة, ووحده سعود السرحان هو الذي فهم ارسطو والفلسفة اليونانية برغم أنه لايعرف اللغة اليونانية ولا العبرية ولا الانجليزية!

الوجه الخامس:

ان شيخ الاسلام ابن تيمية لم يدَّع لنفسه أنه قرأ الفلسفة اليونانية باللغة اليونانية, بل هو يتكلم عن المنطق والفلسفة"المعرَّبة"كما يقول في مجموع الفتاوى:

(قد كتبت فيما تقدم ملخص المنطق"المعرَّب", الذي بلغته العرب عن اليونانيين, وعربته لفظا ومعنى, فإنها أحسنت ألفاظه وحررت معانيه, وهو المنسوب إلى أرسطو اليوناني)

-المسألة الثانية:

قول السرحان ان ابن تيمية وظف كلام الفلاسفة في نقض بعضهم, هذه أيضًا حقيقة تاريخية, وليس طريق تزييف كلام السرحان فيها المكابرة عنها والتعسف بردِّها, ولكن بتبيين غرض شيخ الاسلام الذي لم يفهمه السرحان للأسف.

حيث لايمكن فهم مقصود شيخ الاسلام بايراد أقوال الفلاسفة في نقيض بعضهم إلا بفهم معطيات البيئة الفلسفية التي تحرك فيها شيخ الاسلام, ذلك أن تلك البيئة الفلسفية لعصر شيخ الاسلام ابتليت بعنصرين, أولهما: المذهبية الفلسفية (أي الجمود على رأي أساطين الفلاسفة) , وثانيهما: معارضة النصوص بالعقليات.

ولذلك حرص شيخ الاسلام ابن تيمية على إيراد تناقض الفلاسفة ليحقق هذين الغرضين, فلايمكن إقناع مقلدة الفلسفة إلا بنصوص لفلاسفة أي من الداخل الفلسفي ذاته, ولايمكن تبديد ارهاب العقليات في مواجهة النصوص إلا ببيان تناقضها ليتطاير وهج قطعيتها وتهتز مطلقاتها, فاذا كانوا متفاوتين في هذه العقليات بطلت مواجهة النصوص بها.

وقد تحدث الامام ابن تيمية عن الظاهرة الأولى وهي أزمة"مقلدة الفلاسفة"وحاجتها الى نصوص الفلاسفة ذاتهم بقوله في درء التعارض:

(ويسمونها عقليات وإنما هي عندهم تقليديات, قلدوا فيها ناسا يعلمون أنهم ليسوا معصومين, إذا بين لأحدهم فسادها لم يكن عنده ما يدفع ذلك, بل ينفي تعظيمه المطلق لرؤوس تلك المقالة, ثم يعارض ما تبين لعقله فيقول: كيف يظن بأرسطو وابن سينا وأبي الهذيل أو أبي على الجبائي ونحو هؤلاء أن يخفي عليه مثل هذا؟ أو أن يقول مثل هذا؟)

وقال أيضًا في درء التعارض متحدثًا عن الظاهرة الثانية:

(ولهذا أذكر من كلام رؤوس الطوائف من العقليات ما يبين ذلك, لا لأنا محتاجون في معرفتنا إلى ذلك, لكن ليعلم أن أئمة الطوائف معترفون بفساد هذه القضايا التي يدعي إخوانهم أنها قطعية, مع مخالفتها للشريعة, ولأن النفوس إذا علمت أن ذلك القول قاله من هو من أئمة المخالفين استأنست بذلك واطمأنت به, ولأن ذلك يبين أن تلك المسألة فيها نزاع بين تلك الطائفة, فتنحل عقد الإصرار والتصميم على التقليد, فإن عامة الطوائف ـ وإن ادعوا العقليات ـ فجمهورهم مقلدون لرؤوسهم فإذا رأوا الرؤوس قد تنازعوا واعترفوا بالحق انحلت عقدة الإصرار على التقليد)

وقال في تأصيل"الاستعانة بأقوال الفلاسفة ضد بعضهم"لتحقيق هذا الغرض:

(والمقصود بيان فساد أمثال هذه الكلام بالحجج العقلية المحضة, فإن هؤلاء النفاة يستعينون على معارضة النصوص الإلهية بأقوال الفلاسفة وغيرها المخالفة لدين المرسلين, فإذا احتج لنصر النصوص الإلهية بما هو من هذا الجنس: كان ذلك خيرا من فعلهم)

وقال أيضًا في درء التعارض:

(فإذا خوطبوا على موجب أصولهم, وبين أنه ليس في العقليات ما ينافي النصوص الإلهية, على كل مذهب كان هذا من تمام نصر الله لرسوله وإظهار لنوره)

وقد شبهه الامام ابن تيمية بتشبيه لطيف يقول فيه في درء التعارض:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت