ـ [علي أحمد عبد الباقي] ــــــــ [16 - Dec-2007, صباحًا 03:44] ـ
الإخوة الأفاضل.
مسألة التسلسل هذه من المسائل العويصة، وتحتاج إلى فهمٍ دقيق، وملخصها - حسب فهمي - على النحو التالي.
أن الله وصف نفسه بصفاتٍ كثيرةٍ: ذاتية وفعلية.
الصفاتُ الذاتية: هي الصفات المتصلة بالذات الإلهية وهي أزلية قديمة قِدَم الذات ومن هذه الصفات: العلمُ والقدرة والإرادة والحياة ... واليد والرجل، وغير ذلك مما ثبت بالكتاب والسنة.
أما الصفات الفعلية: فهي مثل الكلام والخلق والمغفرة والرحمة ... ، وغير ذلك.
ومذهب السلف فيها أنها ذاتية قديمة من حيث جنس الصفة، لكنها حادثة الأفراد بمعنى أن الله لم يزل خالقًا ولم يزل غفورًا ولم يزل رحيمًا وأنه لم يأت زمان لا يكون الله عز وجل متصفًا بهذه الصفات، وهذا فهم السلف، فقد روى البخاري رحمه الله في كتاب التفسير باب تفسير سورة (حم) السجدة قال:(قال الْمِنْهَالُ، عن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ قال: قال رَجُلٌ لابن عَبَّاسٍ: إني أَجِدُ في الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ ...
فذكر من ذلك قول الله تعالى: {وكان الله غَفُورًا رَحِيمًا} ، و {عَزِيزًا حَكِيمًا} ، و {سَمِيعًا بَصِيرًا} فَكَأَنَّهُ كان ثُمَّ مَضَى.
فقال ابن عباس رضي الله عنهما: سَمَّى نَفْسَهُ بذلك وَذَلِكَ قَوْلُهُ أَيْ لم يَزَلْ كَذَلِكَ فإن اللَّهَ لم يُرِدْ شيئًا إلا أَصَابَ بِهِ الذي أَرَادَ فلا يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ فإن كُلًّا من عِنْدِ اللَّهِ) .
فها هو ابن عباس رضي الله عنهما يقرر أن الله متصف بهذه الصفات في الأزل، لكن هذا ينطبق على جنس الصفات بينما أفرادها حادثة أحدثها الله في نفسه.
وللتوضيح يمكن أن نتكلم على صفة الخلق:
وصف الله نفسه في كتابه بأنه يخلق ما يشاء، وأنه خلق السموات والأرض وخلق آدم، ... الخ.
قبل أن يخلق الله آدم هل كان متصفًا بصفة الخلق نعم كان متصفًا بها في الأزل ولم يزل الله خلاقًا ولا يزال كذلك أزلا في الماضي وأبدًا في المستقبل.
لكن آحاد صفة الخلق: خَلْق آدم، خَلْق السماوات ... هل الله كان متصفًا بها في الأزل؟
الجواب / لا، لأن هذه المخلوقات حادثة ويستحيل أن يتصف الله بخلقها قبل وجودها، وهذه الأشياء حادثة مخلوقة غير أزلية فعُلم من ذلك بداهة أن اتصاف الله بهذه الصفات: خلق آدم ن وخلق السماوات والأرض صفات حادثة.
والسؤال هل يفهم من ذلك أن تلك الصفات مخلوقة؟
الجواب / لا، والتفصيل أن الحوادث نوعان حوادث متصلة بذات الله وهي غير مخلوقة وإنما يحدثها الله في نفسه، فالله سبحانه وتعالى بعد أن لم يكن خلق آدم شاء أن يخلقه فخلقه واتصف بذلك بعد أن لم يكن متصفًا به.
فحدث من ذلك شيئان: صفة خلق آدم وهي متصلة بالله سبحانه لذلك فهي غير مخلوقة وإن كانت حادثة.
والشيء الثاني: آدم نفسه وهو خَلْق منفصل عن الله - سبحانه - لذلك فهو حادث مخلوق.
وقس على ذلك كل المخلوقات الله عز وجل يخلقها ويحدث في نفسه صفة خلقها، وهذه الصفات لأنها حادثة في ذات الله لا تكون مخلوقة.
أمَّا المخلوقات نفسها فلأنها حوادث منفصلة عن الله - سبحانه - فإنها تكون مخلوقة.
ولكي نفهم مسألة التسلسل نقول:
كل مخلوق سبقه مخلوق آخر، لأن الله خالقٌ أزلًا ولا يمكن أن نقف عند مخلوق بعينه ونقول هذا أول مخلوق خلقه الله، لأن ما من مخلوق إلا والله عز وجل خالقٌ قبل وجوده، لذلك لا يمكن أن نقف عند مخلوقٍ ونقول هذا أول مخلوقٍ خلقه الله مطلقًا، لأن ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بعدم نفسه ومسبوق بمخلوق غيره، فلو تصورنا أول مخلوق سيكون مسبوقًا بالعدم، عند ذلك سوف تنتهي الصفات إذ لا يتصور خالق بلا خلق!، لذلك فالصواب أن كل مخلوق مسبوق بمخلوق غيره وبخالقه، وأما جنس المخلوقات ككل فمسبوق بخالقه وهو الله سبحانه وتعالى.
قد يقول قائل: إن الله متصف بـ (الخلق) لقدرته على الخلق وإن لم يخلق؟ فيقال: إن الله سبحانه كان موجودًا قبل وجود الخلق ومتصف بالخلق بمعنى القدرة على الخلق؟
والجواب / إن القدرة على الخلق غير الخلق، فالله عز وجل قادر على الظلم، لكنه لم يشأ أن يظلم بل حرَّم على نفسه الظلم، فلا يصح أن نصف الله بالظلم بمعنى أنه قادر عليه.
فصفة الخلق غير صفة القدرة على الخلق.
ومن هنا جاءت فكرة شيخ الإسلام ابن تيمية بتسلسل المخلوقات لا إلى أول.
السؤال: هل يلزم من ذلك القول بقدم العالم؟
الجواب: لا يلزم من هذا الذي قررناه القول بقدم العالم، وتوضيح ذلك أنَّه مستقر في بدائه العقول أن الله سبحانه وتعالى هو خالق كلِّ شيء وأنَّه هو الخالق وما عداه مخلوق، ومن البديهي أن الخالق لابد وأن يكون سابقًا على المخلوق.
وعلى ذلك تقرر العقول أن جنس المخلوقات مسبوقة بخالقها وهو الله سبحانه وتعالى وهذا ينافي أن يكون جنس المخلوقات قديمًا، لأنه مسبوق بخالقه سبحانه وتعالى، وأن الله هو القديم الأزلي الذي لا يسبقه شيء.
فالقديم هو الذي لا يسبقه شيء، وجميع المخلوقات مسبوقة بغيرها ومسبوقة بخالقها، أما جنس المخلوقات فهي مسبوقة بخالقها سبحانه وتعالي، وعليه فهي ليست قديمة.
ومما يقرب فكرة التسلسل في الأزل تصورها في الأبد، فالعقول تقر استمرار الجنة أبدًا وهذا هو صريح القرآن ن فأهل الجنة خالدين فيها أبدا، ومع ذلك فالله عز وجل آخر ليس بعده شيء.
وكذلك نتصور تسلسل الخلق أزلًا، ونؤمن بأن الله أول بلا ابتداء وليس قبله شيء.
أرجو أن يكون هذا الفهم واضحًا لا غبار عليه، وهذا اجتهادي في فهم هذه المسألة مجردًا فما أصبت فيه فبتوفيق الله وما جانبني الصواب فيه فأنا راجع عنه ومعتصم بعقيدة السلف وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. والله يغفر لي.
هذا تصور مبدأي للمسألة، وأما المصادر / فما ذكر الإخوة من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وكتاب تسلسل الحوادث لكاملة الكواري، ويضاف إلى ذلك كتاب دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية تأليف الدكتور عبد الله بن صالح الغصن - دار ابن الجوزي ط1/ 1424هـ.
(يُتْبَعُ)