ما ذكره الشاطبي واقع ومشاهد؛ فإن المحاجة وإقامة الأدلة لها طرق ومسارات تصل بصاحبها إلى الحق، وتكشف وجه المسألة من أقرب طريق. فإذا تجاوز الحوار هذا الحد خرج إلى حكايات وأمثلة وأرأيتيات وتفريعات لا تنضبط بقواعد محكمة، ولا يحدها تسلسل منطقي في الاستدلال يصل بها إلى قرار. فتدور المحاورات في حلقات مفرغة، وتتفرع إلى مضايق ومنزلقات ومتاهات يتمزق معها الموضوع. والسبب هو ترك الأمور المحكمة إلى متشابهات الأدلة وما ليس من الأدلة أيضًا، وهذا أمر لا يمكن أن يفضي إلى يقين.
وعلى النقيض من ذلك ما حكاه الشاطبي عن طائفة أخرى من أهل البدع، وهم أهل البدع العملية، من هربهم من المناظرة في حجية ما هم عليه يقول: «على أن أرباب البدع العملية أكثرهم لا يحبون أن يناظروا أحدًا .... فيما يفعلون خوفًا من الفضيحة ألا يجدوا مستندًا شرعيًا» (9) ، إلى آخر كلامه.
وهذا المسلك أيضًا واقع ومشاهد؛ فكثير من الناس عندما تسأله عن حجته في أمر يقوله أو يفعله يقول لك نهينا عن الجدل .. وهذه أمور وجدانية ترجع إلى الذوق .. واستفت قلبك .. وما إلى ذلك. وهذان الطرفان ينبغي ألا يسلكهما الداعي إلى الله بل عليه أن يبين للناس حجة ما يقول ويفعل وما هو عليه من أمور دعوته بالدليل والبرهان وبالطرق السليمة للاستدلال بعيدًا عن الخصومات الجدلية التي غالبًا ما تقوم على المغالبات والمغالطات، وإذا حققتها بالأسلوب العلمي بهدوء وتحقيق وجدتها مليئة بالثغرات. فإذا لم يكن من أهل الاستدلال أحالهم على ما يستبينون به الحق من كتب أو رسائل أو إلى من يقدر على البيان. فإذا ما انتهت الاستدلالات وتبينت أوجه النظر في الموضوع، انتهى الحوار، لأن الاستمرار فيه بعد ذلك جدل ومراء نهينا عنه شرعًا.
يتبع إن شاء الله
الهوامش:-
(1) سورة النحل، الآية: 125.
(2) سورة فصلت، الآية: 34.
(3) سورة القلم، الآية: 9.
(4) الإعتصام، جـ2، ص230.
(5) سنن أبي داوود، كتاب الأدب. قال الألبانى: حديث حسن.
(6) جاء في مسند الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها: تلا رسول الله ? هذه الآية: (( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) (آل عمران:7) الآية، «فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله عز وجل، فاحذروهم» ، قال الأرنؤوط: حديث صحيح.
(7) سورة آل عمران، الآية:61.
(8) الاعتصام، جـ2، ص236 - 237.
(9) المصدر السابق، جـ2، ص151
*نقلًا عن مقدمة كتاب (حد الإسلام وحقيقة الإيمان) للشيخ عبد المجيد الشاذلي.
ـ [المدرس المسلم] ــــــــ [26 - Oct-2007, صباحًا 01:24] ـ
3 -القصد والاعتدال:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه؛ فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» ، وفي رواية: «سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة، القصد القصد تبلغوا» (10) .
وجاء في كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم" لابن تيمية رضي الله عنه:
«وعلى هذا ما في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلي الله عليه وسلم يسألون عن عبادة رسول الله صلي الله عليه وسلم فلما أخبروا بها كأنهم تقالّوها فقالوا: وأين نحن من رسول الله صلي الله عليه وسلم، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر أبدًا، وقال الآخر وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله صلي الله عليه وسلم إليهم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له. لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» ، رواه البخاري وهذا لفظه ... والأحاديث الموافقة لهذا كثيرة في بيان أن سنته هي ـ الاقتصاد في العبادة وفي ترك الشهوات ـ خير من رهبانية النصارى التي هي ترك عامة الشهوات من نكاح وغيره، والغلو في العبادات صومًا وصلاة، وقد خالف هذا بالتأويل ولعدم العلم طائفة من الفقهاء والعباد. ومثل هذا ما رواه أبو داود في سننه عن العلاء بن عبد الرحمن عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة أن رجلًا قال: يا رسول الله ائذن لي
(يُتْبَعُ)