فهرس الكتاب

الصفحة 3557 من 28557

في السياحة فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله» ، وفي حديث آخر: «إن السياحة هي الصيام» ، أما السياحة التي هي الخروج في البّريّة من غير مقصد معين فليست من هذه الأمة، وهي من الرهبانية المبتدعة التي قال فيها النبي صلي الله عليه وسلم: «لا رهبانية في الإسلام» .

ومثل ما روي ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على ناقته: «ألقط لي حصى» ، فلقطت له سبع حصيات مثل حصى الخذف، فجعل يتقبضهن في كفه ويقول: «أمثال هؤلاء فارموا» ، ثم قال صلي الله عليه وسلم: «أيها الناس إياكم والغلو في الدين، وإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» ، رواه أحمد والنسائي وابن ماجة من حديث عوف بن أبي جميلة عن زياد بن حصين عن أبي العالية عنه، وهذا اسناد صحيح في شرط مسلم، وقوله: «إياكم والغلو في الدين» ، عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال. والغلو، هو مجاوزة الحد بأن يزاد في مدح الشيء أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك (11)

والنصارى أكثر غلوًا في الاعتقادات والأعمال من سائر الطوائف وإياهم نهي الله ـ عن الغلو ـ في القرآن في قوله تعالى (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ً) (النساء:171) (12) .

وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار، وهو داخل فيه فالغلو فيه، مثل رمي الحجارة الكبار ونحو ذلك، ثم علل بأن ما أهلك من كان قبلنا إلا الغلو في الدين كما نراه في النصارى. وذلك يقتضي أن مجانبة هديهم مطلقا أبعد من الوقوع فيما به هلكوا، وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه أن يكون هالكًا» (13)

وإذا كان ابن تيمية قد سوى بين مجانبة القصد في الاعتقادات والأعمال؛ فإن الشاطبي قد فرق بينهما ولكن على أن القصد في الشريعة هو الوسط الأعدل. فلا بأس عنده من الإيغال في الأعمال ولكن بشروط: منها ما هو راجع لحق الله، ومنها ما هو راجع لحق العبد، وإن كان حق العبد لا يخلو من حق الله إلا أن العبد له الخيرة فيما كان راجعًا لحقه، وهذه الشروط هي:

1 -ألا يكون في هديه وسمته مشابهًا لما نهى عنه رسول الله صلي الله عليه وسلم من الرهبانية والتبتل حتى لو لم يكن في أفراد أعماله ما هو منهي عنه لعينه، كالاختصاء، والسياحة، وترك التزوج. والتبتل الذي نهى عنه رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو الانقطاع عن الدنيا كلية والتفرغ للعبادة وترك الطيبات تطرفًا في الزهد وهو خلاف التبتل في الآية. وقد فسر التبتل في الآية (14) على ثلاثة

معاني: «التبتل بمعنى الإخلاص وهو قول قتادة ومجاهد والضحاك، والتبتل بمعنى الاتباع بمعنى اتبع الهدى واتبع أمر ربك، قاله الحسن، والتبتل بمعنى رفض الدنيا وذلك ليس بمعنى طرح اتخاذها جملة وترك الاستمتاع بها بل بمعنى ترك الشغل بها عما كلف الإنسان به من الوظائف الشرعية. قاله زيد بن أسلم» (15) .

2 -ألا يقصد المشقة لعينها. وذلك هو التكلف المنهي عنه، والنهى يقتضي الفساد، وأما إذا قصد عملًا يعظم أجره لعظم مشقته فلا بأس؛ فالمشقة هنا تابعة لا متبوعة. وفي الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «هلك المتنطعون» ، قالها ثلاثًا رواه مسلم، والمتنطعون المتعمقون المتشددون في غير موضع التشديد.

وفي "رياض الصالحين" باب النهي عن التكلف، وهو قول وفعل مالا مصلحة فيه بمشقة، قال الله تعالى: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) (صّ:86) (16) ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهينا عن التكلف، وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: بينما النبي صلي الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: «مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه» رواه البخاري. وقال مالك أمره ليتم ما كان له فيه طاعة ويترك ما كان عليه فيه معصية (17) .

3 -إذا لم يخف على نفسه من الانقطاع من الطريق وبغض العبادة وكراهة التكليف، وإذا أمن من إدخال الفساد على جسمه وعقله وماله وحاله «إن المنبتّ لا أرضًا قطع ولا ظهًرا أبقى» (18) .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت