فهرس الكتاب

الصفحة 3585 من 28557

مما لاحظته في المسلسل المسمى بـ"طاش ما طاش"إستخدام بعض الإعلاميين - بحسن نية أو دونها - بعض التأثيرات الإعلامية الخطيرة و أخص هنا نظرية تأثيرية قوية لا يستهان بها و هي بما يسمى في الإعلام أو علم الإتصال الجماهيري (بنظرية الحقنة أو الرصاصة innoculation theory ) ، و قد اشتق هذا الاسم و فكرته من الفكرة نفسها التي تقوم على أساسها التطعيم ضد الإمراض، حيث إن تحصين الإنسان ضد الأمراض يتم من خلال حقنه بمصل يحتوي على جرثومة ضعيفة للمرض المراد التخصين ضده، و من ثم يقوم (نظام المناعة) في جسم الإنسان باحتواء تلك الجرثومة الضعيفة و القضاء عليها و خلق حالة من الحصانة ضدها.

إن نظرية التطعيم هي من وجه آخر شبيهة بمفهوم التأثير على المدى الطويل. لأن التعرض المتواصل لبعض ما تبثه وسائل الإعلام يولد نوعًا من التبلد و عدم الإحساس أو ما سميناه (الحصانة) في حالة التطعيم ضد المرض. إن الجرعات من المفاهيم و القيم التي نتلقاها من وسائل الإعلام تشبه الأمصال التي نحقن بها لكي تقل، و إن لم تنعدم، قدرة الجراثيم على لتأثير في أجسامنا.

فمثلا .. استمرار تعرضنا لمشاهد العنف و الجريمة و الجنس يخلق لدينا حالة من اللامبالة تجاهها و عدم النفور منها.

و قد يسأل سائل .. من أين أتت هذه الحالة السلبية تجاه الأشياء السلبية؟

و الجواب: أن (الحقن) المنتظم لعقولنا بـ (الأمصال الإعلامية) ولّد حالة من البلادة تجاه الأمور السيئة و الجوانب السلبية أو حصانة تشبه الحصانة التي يصنعها المصل حينما نلقح ضد الأمراض.

لكن المفارقة الجميلة هنا .. أن التطعيم الطبي يستخدم لوقاية و حماية الجسم، و أما الحقن الإعلامي فإنه لتوليد اللامبالاة و تبلد الإحساس ضد المنكرات و المشاهد المنحرفة .. فيصبح الأمر كما قال الرسول صلى الله عليه و سلم: (يصبح المعروف منكرًا و المنكر معروفًا) . فالأمور المحرمة من التبرج و الإختلاص يصبر أمرا عاديا، و الإنكار على هذه الظاهرة و التحذير منها يصبح أمرًا غريبًا مستخجنًا يوصف فاعله بالتشدد و ضيق الأفق.

موضوع الحقن الإعلامي و هي نظرية إعلامية تقودني الآن إلى نظرية نفسية تسويقية، هذه النظرية إستخدمها عالم روسي يسمى إيفان بافلوف.

هذه النظرية تسمى .. الربط الذهني أو الإرتباط الشرطي أو الإستجابة الشرطية .. بداية إكتشاف بافلوف لهذه النظرية كانت عن طريق تجربتها على كلبه، و لما تحققت قرر البعض تطبيقها على الأوادم ..

باختصار ... هذه النظرية تهدف إلى ربط الأحداث و الأفعال و المصائب و الأحاسيس إلى نتائج معينة نفسية يصعب الخلاص منها فيما بعد ..

دعني أوضح قليلا ..

عند سؤالك لأحد اليهود أو النصارى عن الإسلام .. فإن أول ما سيتبادر لذهنه هو الإرهاب.

عندما سألت أحد الشيعة عن نفس الشيء و قلت له ماذا يرتبط في ذهنك عندما أقول"السُنة"؟ أجابني بأن ما يرتبط في ذهنه هو السعودية.

عندما نقول الشيعة .. أغلب من سألتهم أجابوني بأن ما يرتبط في ذهنهم هو إيران.

تسير أحيانا في مكان ما .. و تشم رائحة عطر معينة، فتذكر (س) من الناس ..

تسير بالقرب من البحر و تشم رائحة معينة و لا شعوريا تجد نفسك تبتسم فتقول تذكرت كورنيش جدة أو كورنيش الدمام أو الخبر.

-إذا لم تتضح الصورة في هذه النقطة لا مانع من السؤال لزيادة الإيضاح -

الحقيقة .. أن البعض إرتبط ذهنه إرتباطا شرطيًا بمجرد رؤية ملتزمين أو متدينين، بالتخلف أو الهمجية، و أنهم ضيقي أُفق، هذا إن لم يزد في الضحك عليهم، فيرتبط في ذهنك كل ما هو إسلامي إرتباطًا شرطيا بالإرهاب و ضيق الأفق و التخلف.

العقل البشري إذا أُريد التأثير عليه فإنه يتأثر بطريقتين كما يقول علماء النفس، و هي عن طريق: -

1/ الكثافة الحسية.

2/ التكرار.

حديثي سيكون فقط على النقطة الثانية وهي (التكرار) .. مما لاحظته في المسلسات و المشاهد التي يتعرض فيها أصحاب اللحى و المتدينين إلى نقد، هو تكثيف (الكوميديا) على الشخصية الملتمزمة، و محاولة إضحاك الجمهور لأن يصل إلى أعلى درجة في شعوره بالضحك، و من ثم (مع التكرار و التكثيف من هذه الأمور) فإن العقل يتبرمج لا شعريًا و يرتبط في ذهنه، أن شخصية معينة مضحكة جدا و طريقة شخصية معينة في الحديث مضحكة جدًا، و هذا أخوف ما أخاف منه، وهو أن يأتي أناس فيما بعد يكرهون الإلتزام بمنهج معين سواء هذا المهج (للسنة أو الشيعة) و ذلك لأن أذاهنهم مرتبطة إرتباطًا شرطيا غير محسوس، بأن الإلتزام يعني التخلف و الرجعية و (الغباء) .

المشكلة وجود أناس يعينونهم على هذا الشيء و هو بقولهم: إن هذا الواقع و ينتقدونه.

و سؤالي .. هل كل واقع يناقش بطريقة ساخرة؟

عندما خرج مسلسل"للخطايا ثمن"فرح البعض بهذا العمل و كأنهم يتشفون و ينتقمون من فئة معينة، و كذلك"طاش ما طاش"عندما ينتقدون فئة معينة من الناس بطريقة ساخرة، فرح البعض الآخر .. و الواقع من المفترض أن يكون عكس ذلك و أن يتم نقاش المواضيع الحساسة التي قد تولد إرتباطًا شرطيا في أذهان الناس عن فئة معينة من الناس، بطريقة جدية و سليمة و علميّة فليس المجال مجال عواطف، و إنما المجال مجال أجيال قد تكره الإنخراط في فئة معينة من الناس لأنهم تبرمجوا على أن هذه النوعية و الفئة"مريضة".

إخوتي الأكارم .. أشعة الشمس تنفذ من النافذة، قد دخل وقت الصيام و أنا لم أكمل سحوري بعد، أتمنى أن أكون وفقت في عرض شيء بسيط من هذا الجانب، و أعتذر عن أخطاء إملائية أو نحوية أو أخطاء فكرية، فلازلت أحتاج التوجيه، و إن طرأ علي تغيير أو زيادة فلن أتأخر .. و السّلام.

*بالنسبة لنظريات الإعلام التأثيرة بإمكانكم الرجوع إلى كتاب من تأليف الدكتور الحضيف. (كيف تؤثر وسائل الإعلام) .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت