فهرس الكتاب

الصفحة 3869 من 28557

وفي زماننا زاد الخوف من الفكر الغربي، ومن مشكلات العصر الكبيرة، فكان أحد ملاجئ الهروب الفخر بالتراث، وهذه سنة للمغلوب الذي يبحث عن ذاته أمام الاستلاب الحضاري، سلب النفس والقيمة، ثم المبالغة في دور وقيمة التراث، وبالتالي إكساب التراث لباس الشرع والقداسة، وهو موقف دفاعي وليس موقفًا إحيائيًا، فالإحياء يقتضي التخفف من الأثقال، والشفافية والفاعلية، والمرهق بهذه الثقافات والقيود ومجاميع التراث، وتقديس الموروث يجد نفسه كليلًا عن النهوض بالعبء فيخطئ من يقوم، ويتهمهم بالتهاون والتساهل، بل وبالخروج عن طريقة السلف الصالح. وهو محق في بعض اتهامه أنهم خرجوا أو سيخرجون عن بعض ميراث السلف، ولكن هذا بعض مقتضيات تجديد الحياة، ولكنه بالمقابل لا يملك حلًا سوى تمجيد التقليد.

ولا يعترف كثير من المسلمين الطيبين أنهم بمهاجمتهم للفكر الغربي والدعوة لمنهج السلف يقعون أحيانًا فيما هربوا منه، لأنهم في تعلقهم بكل شيء سلف إنما هو تعلق تاريخي، وتقليد للناس، لا احتكامًا للدين، لأنهم يغرقون في أفكار السلف، وهم بشر، عندهم حق وباطل، ويصيبون ويخطئون، فيسمي بعضًا قولهم وأفكارهم سلفية يقدسها، رغم ما يمكن أن يكون فيها من غيرها، ويسمي من عداه منحرفًا، وإن كان يجره للقرآن .. إنها عملية أعقد مما يحب قوم تبسيطها، بالتحذير عن المصطلحات واللغة المعاصرة، والثقافة المعاصرة، وهذه سلبية وهروب من الحقيقة والواقع المتعب حيث الهدوء بقراءة ما سبق قوله مرات في كل زمن. ويحاول محسن عبد الحميد أن يفصل بين الوحي والفكر الإسلامي ويشرح هذه الملابسات التي حدثت عن قصد أو غيره فيقول:"إن منهج التغيير الإسلامي لابد أن يضع خطًا فاصلًا واضحًا بين ما هو وحي إلهي وبين ما هو جهد بشري، أو فكر بشري، أو تصور بشري لمسائل الوحي الإلهي وتفسيره وشرحه في إطار قواعده وأصوله، وفي ضوء المراحل التاريخية المتتابعة. إن تسمية الوحي وما حوله من فكر بالفكر الإسلامي أو الفكرة الإسلامية لدى كثير من الإسلاميين أنفسهم خطأ كبير، شجع أرباب المذاهب المادية والعلمانية على الجرأة في تسميتهما معًا بالتراث .. فهؤلاء عندما يريدون أن يراجعوا التراث، يراجعونه من حيث هو كل في نظرهم لا يتجزأ. والنتيجة الطبيعية عند هؤلاء أن الوحي الإلهي يخضع للمرحلة الزمنية، فهو من التراث الذي يتعلق بالماضي .. والحال أن الوحي من حيث هو علم الله الكامل لا يمثل ذلك الماضي ولا الحاضر ولا المستقبل، بل هو يمثل الحقيقة الأزلية التي لا ترتبط بالزمن ولا تخضع له .. فهو ليس تاريخا للبشرية، أو حركة حضارية تختص بمرحلة من مراحل تطور تاريخ أمة من الأمم".

عصر الفكر الإسلامي:

ليس صحيحًا أن نقول بأن العصر الإسلامي الأول عصرًا لجانب واحد من جوانب التفكير والعمل، فلا نقول بأن زمن الرسول صلى الله عليه وسلم هو زمن للنص بلا فكر، ولا زمن للفكر بلا نص، بل هو العصر الذي تكامل فيه العقل مع النص، فهو زمن النص وزمن الفكر، لا عداء ولا خصومة، ولا مدرسة للرأي تختصم مع مدرسة الحديث، ولا فريقان يروج كل منهما لأتباعه أو لفريقه ويسخر من الآخرين، وما نراه في زماننا من صراع مصدره الجهل والهوى، بين المتخاصمين، فمتى كان الدين خصمًا للعقل، ومتى تصور المسلم الانفصام بين الأمرين إلا بدوافع المشكلات الكلامية المتأخرة، وهي نتاج لمشكلات لا حل لها، ولا نتوقع أنها قادرة على ذلك، فلم تجلب للماضين خيرًا فأنى لها أن تجلبه لنا! ولا تزيدنا إلا حيرة، ولا نستفيد منها إلا انزواء في زوايا الكلام المذموم، وغربة عن التأثير والمنفعة من الوحي ومن الحياة الجارية.

فأزهى عصور الفكر الإسلامي هي العصور الأولى للإسلام، الذي تجلت فيها الاجتهادات والمدارس والأعمال والفرق، عصور محاولة فهم النص ومحاولة تطبيقه، عصور تجاوب الأمة مع كتابها دون حواجز من التاريخ، ولا عوائق من الفلسفات الأخرى، ولا عوائق جمود من داخل المجتمع.

ثم تتنوع العصور وتعلو القدرات وتسقط ويوجد في كل زمن رجاله القادرون على الصياغة والتجديد، ويسمى كل عصر بأبرز جوانب النبوغ فيه، أو جوانب الانهيار.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت