فهرس الكتاب

الصفحة 3868 من 28557

وتلك من أهم مقومات المجتمع الإسلامي في لحظات بنائه الأولى، ثم في مراحل قوته الكبيرة، ومن قرأ العصر الأموي والعصر العباسي الأول الذي يقف عند نهاية القرن الثاني الهجري، يجد حقيقة مهما كرهناها ولكنها واقعة، وهي وجود حريات واسعة في المجتمع الإسلامي أثرت الحياة العقلية آنذاك وفيما بعد، وقد أفادت مهما انتقد المتأخرون الكثير من تلك المدارس.

الوحي والفكر والتراث:

هناك نصوص في ديننا قطعية المصدر، جاءت عن الله تعالى .. وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، ومنها ظني الصدور عن رسول الله، وهناك قطعيات في الدلالة من النصين السابقين، أما ما عدا ذلك من الظنيات فهي ميدان للعقل والفكر البشري، في فهمها وتطبيقها بشرط رعاية أصول التعامل مع هذه النصوص، فقد رأينا أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يعملون عقولهم محاولين للفهم، ومطبقين لما فهموه من النص .. وقد يختلفون في فهمهم له ما دام النص يسمح بهذا التعدد .. وما دامت مقاصد النص واضحة للمجتهد.

وكما تعرضت نصوص في فترات عديدة الفرق المنحرفة محاولة العبث بها، وتأويلها حسب هواها، مما سبب خوفًا من العلماء والمجتهدين عبر العصور أن تبتذل النصوص، واللغة والعقل، ثم تؤول بما يخدم آراء المجموعات المنحرفة، ويصرف النص عن مراده؛ فشددت على إلزام المتأخرين بما قيل في النصوص من قبل - وإن كان القول السابق اجتهادًا واضحًا - ومنعت المتأخر من حق الاجتهاد، لا لأن ليس له حق ولكن بدافع الخوف، ثم جاء دافع التقليد، والرغبة في الحفاظ على أقوال السابقين .. وتكاثر الاهتمام بحفظ النصوص وإن كان الحفظ على حساب الفهم، وجرت المبالغة في تقديس المحفوظ ووضع الحفظ معيارًا، وهذه من مبالغات أهل النصوص، مما أوصل العقل المسلم إلى درجة من الركود خطيرة، عادت بانهيار الحركة العلمية والفكرية عند المسلمين، وفتحت قلوبهم وأعينهم وبلدانهم لمن عنده حيوية فكرية وعلمية، فسنة الله في الإنسان التطلع للجديد، والبحث عن المفيد، ولما قيدت المعرفة بقيود العجز والخوف والجمود، وبالغ أصحابها في طريقة التعرف عليها بأن حولوها نصوصًا معقدة، أو مثاليات ومبالغات في الحفظ والاستذكار، خرج الناس من الحق ورتعوا في غياهب الباطل - الوافد من أمم أخرى - الذي يستطيعون أو يخيل لهم أنهم يستطيعون فهمه والتعامل معه.

وكم من عمل قام لهدف نبيل أدى لعكس مراده، وكم من فكرة صحيحة ولدت عكس هدفها، فالحرص على التقيد خوف التفلت وَلَّد جمودًا، ولم يطق الناس هذا الجمود فحاولوا تكسيره حتى باستخدام خصومه، بوعي أو بدونه، فالجمود ضد الفطرة وضد الدين .. ومن هنا نعلم أن الجمود نوع من الإضرار بالدين والصد عنه، وأثره لا يقل كثيرًا عن أثر الهجران له، يدرك ذلك من سبر أثره في أمة الإسلام، وهو أوضح عند أمم أخرى. إنها خطوط صعبة ودقيقة بين الطرفين، غير أن العلم والوعي والتجرد تعين بإذن الله على السلوك الصحيح بين أوهام هذا التضاد.

فمتى ما تبين لنا الفارق بين النص وفهم النص، استطعنا احترام النص وفهم النص، وما دمنا نكثف المساحة حول النص، ونملأها بأقوال الناس وأفهامهم، ثم نلقي عليها قداسة النص القطعي فإن هذا الأسلوب الحمائي لا يخدم الشرع، ولا يطور الفهم، ولا يجدد الحياة العلمية والعملية، بل الدور المهم الأعظم لرائد الإصلاح أن يجلي النص من ملابسات أقوال الناس وأفهامهم، حتى يواجهوا خطاب الله وخطاب رسوله صلى الله عليه وسلم دون تلبيس ولا تعقيد .. ثم يعمل الناس فهمهم في النص في كل زمان إذا توفرت لهم أدوات اللغة كما فهم السلف، دون قطيعة مع السلف ولا تقديس لفهم يزيد عن مراد الشارع .. وهذا مما نقصد به الفكر.

أما التراث فهو كثير من أقوال السلف، وممارساتهم، واجتهاداتهم، نستصحبها ولا توقفنا عند حدها ما دام النص لغة وغاية يتجاوز الزمان، ويتجاوز التجارب الإسلامية. والبديل عن ذلك أن نجعل التراث شرعًا، ونقدس غير المقدس وبهذه الطريقة نفتح المجال الأكبر للتفلت من الشرع لكثرة التراث فيه، ونجعله عائقًا عن الفهم ليس فقط بسبب ضخامته ولكن أيضًا لتنافر منهجياته وتعددها. إن التراث مهم للمفتي وللقاضي، ولكن ليس للمفتي والقاضي أن يلتزمه.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت