فهرس الكتاب

الصفحة 3867 من 28557

إن زمن القوة الإيمانية والقوة المادية هو زمن نُصرة الفكر وفتح الحرية له، وخير الأزمان التي مر بها الفكر هو عصور الإسلام الأولى، إذ انطلق التفكير في النص، والتفكير في التطبيق، والتفكير في توليد الأعمال والمفاهيم، واجتلاب الصالح منها بطريقة لم يسبق للأمة العربية أن عرفتها من قبل. ولا أثيرت الأفكار والمبادرات كما أثيرت في زمن الرسالة .. مما حدى بأحدهم أن يكتب كتابًا عن دولة الإسلام الأولى بأنها دولة الفكرة .. ففكرة الخندق، وفكرة الخاتم، ولباس الحلة للوفود، بل وقبوله صلى الله عليه وسلم لقول أحدهم والحديث في البخاري:"اللهم لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه"، وقبوله صلى الله عليه وسلم لها وتأييده .. ثم قبول التدوين والدواوين وغيرها. وهكذا كانت دولة محمد بن عبد الوهاب .. وهكذا الدول المؤثرة في العصور الحديثة نتاج فكر وممارسة لهذا الفكر.

حرية الفكر:

والأمة التي ترعى الفكر وحريته تسود، والذين يحقرونه ويطاردونه يذلون ويخسرون، إن حرية الفكر تعني الإذن بالوعي، وتعني فتح آفاق المعرفة، تعني التخلص من تأسيس فرق الباطنية، والفرق المفزعة المنحرفة المدمرة، التي تنمو في الظلام، وتجتاح المجتمع في أي لحظة بلا رقيب، وبلا حساب من أحد، تجد المجتمعات المغلقة مصيرها في أكف مجهولة، وتحت إرادة فرق غريبة، ومفاهيم شاذة، والسبب هم الذين يرون سيادة معرفتهم وفهمهم ويغلقون على الناس الدروب فتنفجر في وجوههم ذات يوم بلا حساب ولا تقدير. حرية التفكير تعني أن نفتح الباب لخير ما عندنا، فنقبله ونتدارسه ونطوره، ونجعله أكثر دقة وجمالًا وتعبيرًا عن الحق والوحي والخير والعدل، أما كبت الناس فتعني السماح بنشر الفساد، تعني تدمير العقل، تعني قتل روح الدين والتدين، تعني قفل أبواب المعرفة والاجتهاد، تعني سيطرة ثقافة الشرطة، وتمكنهم من توجيه الفكر والثقافة، وحشر عقول الأمة وقلوبها وتطلعاتها في يد عسكر باطش، وجاسوس خائف، يفرج عن جهله وخوفه من شرطيه الآخر بقتل تطلعات الأرواح، وقتل ثمار العقول، وتقييد حرية الفهم.

إن حرية الفكر ليست حرية تآمر، وليست حرية فتنة ولا خلاف، إنها خيرٌ عميمٌ، ومصلحة للأمة تتجاوز الأفراد فلا يتفهمها ذوو المصالح الضيقة العاجلة، ولا يستطيع إدراك أهميتها من لا يفكر عقله إلا برغباته .. ولا من يجعل من حرية الفكر هروبًا من كل التزام، إنها حرية الفكر التي سادت في عهد الرسالة وفي عهود السلف المبكرة، والتي أنتجت المذاهب الإسلامية التي ننعم بخيرها، وحرمنا من منهجيتها الرائعة التي بنت الأمة وأيقظت الهمة وأوقدت العقول وهزت الهمم وأصلحت الأمم. لقد كانت مهمازًا كبيرًا للعقل البشري في الغرب خاصة، نفعهم كثيرًا، ولكننا بلا شك قد استفدنا من نتائجه التي جاءتنا بعد تعديلات وصياغة وتطوير، جاءت متأخرة جدًا نتائج عقولنا قديمًا، ربما عادت لنا أسلحة قاتلة، وعادت لنا أعجمية، ملطخة بالوثنية والثقافة الغربية، نعم مليئة بكثير لا نريده، ولكننا أفدنا منها، وإن رشدنا أعدناها لتستوطن عندنا مرة أخرى.

وحرية التفكير لا تعني شيئًا ما لم يصاحبها حرية التعبير، فالتعبير هو الآلة التي توصل الفكرة، بَرةٌ كانت أو فاجرةٌ للناس، ولا يقتل الفكرة إلا الصمت عنها، أو خذلانها من الوصول للناس، وكم من حق ورشد قتله الصامتون، وكم من مظلمة قهرت الناس بسبب سكوت العارفين، والكبت والصمت عن التعبير عن الحق يلازم لحظات الانحطاط في إنسانية الإنسان، وتردي مشاعره، وموت ضميره. وهناك لا يستطيع أحد أن ينادي فقط بحرية الفكر، لأن الفكر ينمو في الهواء الطلق، والجهل يكبر ويسود وينتصر في أجواء الانغلاق والعفونة. فتتلازم الدعامتان: حرية التعبير، ونضوج الفكر تلازمًا مصيريًا، لأن الفكر الذي قد يسود، أو يجبر عليه الناس، قد لا يكون صحيحًا، ولا معقولًا، وجهلًا مركبًا، ولكنه يستمد قوته من تحريم غيره. وما حدث في الدول الشيوعية جدير بفهم الناس له، وتقدير حقيقة خطر الانغلاق الفكري. ومعظم المجتمعات البشرية تمارس شرورًا من هذا القبيل، غير أن الطغيان المذل يقتل أهم جوانب عزة الإنسان، ويحطم قواه الذهنية، ويجعل من يتنفج بالتِحكم ضحية لتحكمه، ومغلوبًا تحت سيطرة من أعطى نسبة أعلى من حرية التفكير والتعبير.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت