فهرس الكتاب

الصفحة 4353 من 28557

قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} [سورة البقرة آية: 84] إلى قوله: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [سورة البقرة آية: 85] الآية، فأخبر تعالى: أنهم أقروا بميثاقه الذي أمرهم به، والتزموه، وهذا يدل على تصديقهم به; وأخبر أنهم عصوا أمره، وقتل فريق منهم فريقا آخرين، وأخرجوهم من ديارهم، وهذا كفر بما أخذ عليهم; ثم أخبر أنهم يفدون من أسر من ذلك الفريق، وهذا إيمان منهم بما أخذ عليهم في الكتاب، وكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق، كافرين بما تركوه منه.

فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي; والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي; وفي الحديث الصحيح:"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر"1، ففرق بين سبابه، وقتاله، وجعل أحدهما فسوقا لا يكفر به، والآخر كفرا; ومعلوم: أنه إنما أراد الكفر العملي، لا الاعتقادي، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية، والملة بالكلية، كما لم يخرج الزاني، والسارق، والشارب، من الملة، وإن زال عنه اسم الإيمان.

وهذا التفصيل، قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله، وبالإسلام، والكفر، ولوازمهما; فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم; والمتأخرون لم يفهموا مرادهم، فانقسموا فريقين; فريق أخرجوا من الملة بالكبائر، وقضوا على أصحابها بالخلود في النار; وفريق جعلوهم مؤمنين، كاملي الإيمان; فأولئك غلوا، وهؤلاء جفوا; وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى، والقول الوسط، الذي هو في المذاهب، كالإسلام في الملل; فها هنا كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك، وظلم دون ظلم; فعن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال:"ليس هو الكفر الذي تذهبون إليه"رواه عنه سفيان، وعبد الرزاق; وفي رواية أخرى: كفر لا ينقل عن الملة;"وعن عطاء: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق".

وهذا بين في القرآن، لمن تأمله; فإن الله سبحانه سمى الحاكم بغير ما أنزل الله كافرا، وسمى الجاحد لما أنزل الله على رسوله كافرا، وليس الكفران على حد سواء؛ وسمى الكافر ظالما، في قوله: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [سورة البقرة آية: 254] ، وسمى من يتعدى حدوده، في النكاح، والطلاق، والرجعة، والخلع، ظالما، وقال: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [سورة الطلاق آية: 1] ، وقال يونس عليه السلام: {إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [سورة الأنبياء آية: 87] ، وقال آدم عليه السلام: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} [سورة الأعراف آية: 23] وقال موسى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} [سورة النمل آية: 44] ، وليس هذا الظلم، مثل ذلك الظلم; وسمى الكافر فاسقا، في قوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ} [سورة البقرة آية: 26] ، وقوله: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ} [سورة البقرة آية: 99] وسمى العاصي فاسقا، في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [سورة الحجرات آية: 6] ، وقال في الذين يرمون المحصنات: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [سورة النور آية: 4] ، وقال: {فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [سورة البقرة آية: 197] ؛ وليس الفسوق، كالفسوق.

وكذلك الشرك، شركان; شرك: ينقل عن الملة، وهو الشرك الأكبر; وشرك: لا ينقل عن الملة، وهو الشرك الأصغر، كشرك الرياء; وقال تعالى في الشرك الأكبر: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [سورة المائدة آية: 72] ، وقال تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ} [سورة الحج آية: 31] الآية، وقال تعالى، في شرك الرياء: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [سورة الكهف آية: 110] . وفي الحديث:"أخوف ما"

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت